محمد باقر الملكي الميانجي
12
مناهج البيان في تفسير القرآن
قوله تعالى : « ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ » . خطاب للرجال المتفكّرين الّذين كانوا أهل الاستبصار والاعتبار . وقوله تعالى : « مِنْ تَفاوُتٍ » مصدر من باب تفاعل ، مأخوذ من الفوت ؛ أي : من فائتة أو ناقصة أو ضائعة . قوله تعالى : « فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ » ؛ ( 3 ) أي : شقوق وصدوع . الاستفهام تقريريّ . والجواب منه منفيّ . أي : ليس فيها فطور ولا فروج . ثمّ أمرهم بالمطالعة والنظر مرّة بعد أخرى . قوله تعالى : « يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ » . ( 4 ) أي : تنصرف عين المطالعة ودقّة النظر إليك خاسئة ؛ أي : بعيدا عن اكتناه الآيات واستقصاء علومها والأسرار المستودعة فيها في حال كونه حسيرا ؛ أي : كليلا ضعيفا مسلوب القدرة عن المطالعة . أقول : الآيات المباركة ليست مسوقة في سياق الاستدلال وفي طريق إثبات الأمر المبهم المجهول ؛ بل شرع تعالى بتمجيد نفسه القدّوس على أنّه فائض للخيرات والبركات ، ومقتدر على مالكيّته واحتوائه على الاستقلال في جميع ما خلق ، وقادر على إيجاد ما شاء كيف شاء . ثمّ مجّد نفسه - جل ثناؤه - على أنّه - سبحانه - هو الّذى خلق السّموات السّبع على النظام المتقن والتدبير المحكم ؛ ما فات منه تعالى شيء دخيل في إتقان هذا النظام وجودة هذا الصّنع . ثمّ تحدّى المخاطب بالنّظر والتفهّم والاستبصار في أمر هذه الخلقة مرّة بعد أخرى ، هل يجد فيها من شقوق وصدوع . ثمّ حكم تعالى - وهو حاكم عدل وشاهد صدق - أنّه ما وجد ضائعة ولا نقيصة ولا صدوعا ، بل رجع أفكاره وعقله بعيدا عن اكتناه هذه الآيات إلى نهايتها واستقصاء ما فيها من العلوم والأسرار المستودعة فيها ، حال كون بصيرته ودركه كليلا ضعيفا . فعلى أهل الانصاف والبحث التأمّل فيما ذكرناه من البيان أنّ هذه الآيات الكريمة عين إيصال المخاطب بالمعرفة والاستنارة بما فيها من واضح البيان .