محمد باقر الملكي الميانجي
9
مناهج البيان في تفسير القرآن
والحياة خارجة عن حقيقة الإنسان ، مثل العقل والشعور والعلم . فإنّيّة الإنسان حقيقة مظلمة بذاتها . فبإفاضة الحياة منه تعالى يصير حيّا ، وبقبضه يصير ميّتا . ولا يمكن معرفة الحياة ونيلها إلّا بتعريف آثارها وعلاماتها . والخوض في حقيقة الحياة وإحقاق القول فيها ، خارج عن عهدة المقام . قوله تعالى : « الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ » . ( 2 ) قال في القاموس 4 / 300 : ابتليته : اختبرته . في البرهان 1 / 147 عن الصدوق ، مسندا عن المفضّل بن عمر ، عن الصّادق جعفر بن محمّد - عليه السّلام - قال : « . . . والابتلاء على ضربين ؛ أحدهما مستحيل على اللّه - تعالى ذكره - والآخر جائز . فأمّا ما يستحيل ، فهو أن يختبره ليعلم ما تكشف الأيّام عنه . وهذا ما لا يصلح ؛ لأنه - عزّ وجلّ - علّام الغيوب . والضّرب الآخر من الابتلاء ، أن يبتليه حتّى يصبر فيما يبتليه به ، فيكون ما يعطيه من العطاء على سبيل الاستحقاق . » قوله تعالى : « لِيَبْلُوَكُمْ » مرتبط بقوله تعالى : « خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ » . والوجه في ذلك أنّ الموت والحياة أمران متضادّان . فالحياة الّتى هي من أجلّ مواهبه تعالى على عباده محبوبة عند الكلّ ، قد وقعت في مورد التهديد بالموت . فالموت لا بدّ أن يقع ولا محيص عنه . والأسف أنّ وقت افتراق الحياة عند الأحياء غير معلوم بوجه من الوجوه . وحيث إنّ الموت والحياة - على الوجه الّذي ذكرناه - ضروريّ ومعلوم للكلّ ، فهناك مورد الاختبار والامتحان ، وموقف تزلّ فيه أقدام الرجال . فالشخص اللّبيب والبصير لا يرخّص نفسه بالافتتان والاشتغال بالدنيا ، والغفلة عن نعم دار الآخرة الباقية الهنيئة ، وعن مرضاة ربّه - جلّ ثناؤه - فيقدّم من صالح الأعمال ، فيطيب به حياته في الدار الآخرة . فلا يزال واقفا بين الخوف والطّمع ، وبين الرغبة والرّهبة ، زاهدا في الدنيا زهد الرّاحل عنها ، ناظرا