سليمان بن موسى الكلاعي
462
الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله ( ص ) والثلاثة الخلفا
قال رستم : ارجع إلى أصحابك واستعدوا للحرب ، فليس بيننا وبينكم صلح ، ولنفقأن عينك غدا . فقال المغيرة : وأنت ستقتل غدا إن شاء الله ، وإن ما قلت لي ليسرني ، لولا أن أجاهدكم بعد اليوم لسرنى أن تذهبا جميعا . ورجع المغيرة فتعجبوا من قوله . فقال رستم : ما أظن هذا الملك إلا قد انقضى ، وأن أجمل بنا ألا يكون هؤلاء أصبر منا ، ولقد وعدوا وعدا ليموتن أو ليدركنه ، ولقد حذروا وخوفوا من الفرار خوفا لا يأتونه ، وقد رأيت ليلتي هذه كأن القوس التي في السماء خرت ، وكأن الحيتان خرجن من البحر ، وأن هؤلاء القوم سيظهرون عليكم ، فهل لكم أن تقبلوا بعض ما عرضوا عليكم ؟ قالوا : لا . قال : فأنا رجل منكم ، وكتب إلى يزدجرد بما كلمه به المغيرة ، فقال شاهين الأزدي : لو لم يكن إلا ساسة دوابنا لأخذناهم بهم . فكتب إليه أمره بقتالهم ، وقال : إذا لقيتهم فضع الرجال فيما بيني وبينك ، على كل ربوة رجلا ، فكلما حدث أمر نادى به بعضهم بعضا حتى يفضى الخبر إلىّ . وحدث سيف « 1 » عن رجاله ، قالوا : أرسل إليهم سعد بقية ذوى الرأي جميعا ، وحبس الثلاثة ، فخرجوا حتى أتوه ، فقالوا له : إن أميرنا يقول لك : إن الحرب تحفظ الولاة ، وإني أدعوك إلى ما هو خير لنا ولك ، وهى العاقبة بأن تقبل منا ما دعاك الله ، عز وجل ، إليه ، ونرجع إلى أرضنا ، وترجع إلى أرضك وبعضنا من بعض ، إلا أن داركم لكم ، وأمركم فيكم ، وما أصبتم مما وراءكم كان زيادة لكم دوننا ، وكنا لكم عونا على أحد إن أرادكم أو قوى عليكم . واتق الله يا رستم ، ولا يكونن هلاك قومك على يديك ، فإنه ليس بينك وبين أن تغتبط إلا أن تدخل فيه وتطرد به الشيطان عنك . فقال رستم : إني قد كلمت منكم نفرا ، ولو أنهم فهموا عنى رجوت أن تكونوا قد فهمتم ، وإن الأمثال أوضح من كثير من الكلام ، وسأضرب لكم مثلكم . إنكم كنتم أهل جهد في المعيشة ، وقشف في الهيئة ، لا تمتنعون ولا تنتصفون ، فلم نسئ جواركم ، ولم ندع مواساتكم ، تقتحمون المرة بعد المرة ، فنميركم ثم نردكم ، وتأتوننا أجراء وتجارا فنحسن إليكم ، فلما تطعمتم طعامنا ، وشربتم شرابنا ، وأظلكم ظلنا ، وصفتم ذلك لقومكم ، ثم دعوتموهم فأتيتمونا بهم ، وإنما مثلكم في ذلك ومثلنا كمثل رجل كان له
--> ( 1 ) انظر : الطبري ( 3 / 525 - 528 ) .