سليمان بن موسى الكلاعي
46
الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله ( ص ) والثلاثة الخلفا
وقالت عائشة : توفى رسول الله صلى اللّه عليه وسلم بين سحرى ونحرى ، وفى دولتي « 1 » ، لم أظلم فيه أحدا ، فمن سفهي وحداثة سنى أن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم قبض وهو في حجري ، ثم وضعت رأسه على وسادة ، وقمت التدم مع النساء ، وأضرب وجهي « 2 » . واختلف أهل العلم بهذا الشأن في اليوم الذي توفى فيه رسول الله صلى اللّه عليه وسلم من الشهر بعد اتفاقهم على أنه توفى يوم الاثنين في شهر ربيع الأول . فذكر الواقدي وجمهور الناس أنه توفى يوم الاثنين لاثنتي عشرة خلت من ربيع الأول لتمام عشر سنين من مقدمه المدينة ، وهذا لا يصح ، وقد جرى فيه على العلماء من الغلط ما علينا بيانه ، وذلك أن المسلمين قد أجمعوا على أن وقفة النبي صلى اللّه عليه وسلم بعرفة في حجة الوداع كانت يوم الجمعة تاسع ذي الحجة من سنة عشر ، فاستهل هلال ذي الحجة على هذا ليلة الخميس ، ثم لا يخلو شهر ذي الحجة والمحرم بعده من سنة إحدى عشرة ثم صفر بعده أن تكون هذه الأشهر الثلاثة كاملة كلها أو ناقصة كلها ، أو اثنان منها كاملين وواحد ناقصا ، أو اثنان منها ناقصين وواحد كاملا ، وأيا ما قدرت من ذلك واعتبرته لم تجد الثاني عشر من ربيع الأول يكون يوم الاثنين أصلا . وذكر أبو جعفر الطبري بإسناد يرفعه إلى فقهاء أهل الحجاز ، قالوا : قبض رسول الله صلى اللّه عليه وسلم نصف النهار يوم الاثنين لليلتين مضتا من شهر ربيع الأول . وهذا القول وإن خالف ما ذكره جهور العلماء فإنه أولى بالصواب ، وأمكن أن يكون حقا ، فإنه إن كانت الأشهر الثلاثة كل شهر منها من تسعة وعشرين يوما كان استهلال شهر ربيع الأول على ذلك بالأحد فكان يوم الاثنين ثانيه . وقد حكى الخوارزمي أنه صلى اللّه عليه وسلم توفى أول يوم من شهر ربيع الأول ، وهذا أيضا أمكن وأكثر إذ اتصال النقص في ثلاثة أشهر لا يكون إلا قليلا ، والله تعالى أعلم . ولما توفى رسول الله صلى اللّه عليه وسلم وارتفعت الرنة عليه وسجته الملائكة دهش الناس كما روى عن غير واحد من الصحابة وطاشت عقولهم ، وأفحموا ، واهتلطوا ، فمنهم من خبل ، ومنهم من أصمت ، ومنهم من أقعد إلى الأرض ، فكان عمر رضي الله عنه ممن خبل ، فجعل يصيح ويقول : إن رجالا من المنافقين يزعمون أن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم توفى وإنه والله ما مات ، ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران ، فقد غاب عن قومه أربعين
--> ( 1 ) في دولتي : أي في نوبتها . ( 2 ) انظر الحديث في : مسند الإمام أحمد ( 6 / 48 / 121 ، 200 ، 274 ) ، صحيح البخاري ( 3 / 1389 ) .