سليمان بن موسى الكلاعي

453

الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله ( ص ) والثلاثة الخلفا

وكان عمر ، رضي الله عنه ، يمدهم بالأسواق إلى ما يصيبون ، فلما رأى ذلك يزدجرد من أمرهم ، وعلم أنهم غير منتهين ، وأنه إن أقام لم يتركوه ، وشكا إليه عظماء أهل فارس من نزولهم القادسية ، وإخرابهم البلاد بالغارات ، ورستم كاف عنهم ، مقيم بإزائهم ، أمر رستم بالشخوص لمناجزتهم ، ورأى رستم أن ينزل بينهم وبين العتيق ، ثم يطاولهم مع المنازلة ، ورأى أن ذلك أمثل ما هم عاملون ، حتى يصيبوا من الإحجام حاجتهم وتدور لهم سعود . وعن سيف « 1 » عن رجاله ، قالوا : وجعلت السرايا تطوف ، ورستم بالنجف ، والجالينوس بين النجف والسيلحين ، وذو الحاجب بين رستم والجالينوس ، وقال الناس لسعد : قد ضاق بنا المكان فأقدم ، فزجر من كلمه بذلك ، وقال : إذا كفيتم الرأي فلا تكلفوا ، فإنا لن نقدم إلا على رأى ذوى الرأي ، فاسكتوا ما سكتنا عنكم . وعن أبي عثمان النهدي « 2 » أن سعدا ، رحمه الله ، لما نزل رستم النجف بعث الطلائع ، وأمرهم أن يصيبوا رجلا ليسأله عن أهل فارس ، فأخرج طليحة في خمسة ، وعمرو بن معدى كرب في خمسة ، وذلك صبيحة قدم رستم الجالينوس وذا الحاجب وهم لا يشعرون بفصولهم من النجف ، فلم يسيروا إلا فرسخا وبعض آخر حتى رأوا مسالحهم وسرحهم على الصفوف قد ملؤها ، فقال بعضهم : ارجعوا إلى أميركم فإنه سرحكم وهو يرى أن القوم بالنجف فأخبروه الخبر ، وقال بعضهم : ارجعوا لا ينذر بكم عدوكم . فقال عمر لأصحابه : صدقتم ، وقال طليحة لأصحابه : كذبتم ، ما بعثتم لتخبروا عن السرح ، أو ما بعثتم إلا للخبر ، قالوا : فما تريد ؟ قال : أريد أن أخالط عسكر القوم أو أهلك ، قالوا : أنت رجل في نفسك غرر ، ولن تفلح بعد قتل عكاشة بن محصن ، فارجع معنا ، فأبى . وأتى سعد الخبر برحيل فارس ، فبعث قيس بن هبيرة ، وأمره على مائة ، وعليهم أن لقيهم ، فانتهى إليهم وقد افترقوا ، وفارقهم طليحة ، فرجع بهم قيس فأخبروا سعدا بقرب القوم ، ومضى طليحة حتى دخل عسكر رستم ، وبات فيه يجوسه وينظر ويتوسم . فلما أدبر الليل أتى أفضل من توسم في ناحية العسكر ، فإذا فرس لم ير في خيل القوم مثله ، وفسطاط أبيض لم ير مثله ، فانتضى سيفه ، فقطع مقود الفرس ، ثم ضمه إلى مقود فرسه ، وحرك فرسه فخرج يعدو به ، ونذر به القوم ، فتنادوا وركبوا الصعبة والذلول ، فخرجوا في طلبه ، فلحقه وقد أصبح فارس من الجند ، فلما غشية وبوّأ له الرمح

--> ( 1 ) انظر : الطبري ( 3 / 510 ) . ( 2 ) انظر : الطبري ( 3 / 512 - 514 ) .