سليمان بن موسى الكلاعي
446
الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله ( ص ) والثلاثة الخلفا
عراب معهم جنائب ، وكلها صهال ، فاستأذنوا فحبسوا ، وبعث يزدجرد إلى وزرائه ووجوه أرضه ليستشيرهم فيما يصنع بهم ، ويقول لهم ، وسمع بهم الناس فحضروهم ينظرون إليهم ، وعليهم المقطعات والبرود ، وفى أيديهم سياط رقاق ، وفى أرجلهم النعال . فلما اجتمع رأيهم أذن لهم فدخلوا عليه . قال بعض من حضر هذا اليوم ممن سبى في القادسية ثم حسن إسلامه : لما كان هذا اليوم الذي قدم فيه وفود العرب على يزدجرد ثاب إليهم الناس ينظرون إليهم ، فلم أر عشرة قط يعدلون في الهيئة بألف غيرهم ، وخيلهم تخبط ويوغر بعضها بعضا . وجعل أهل فارس يسؤهم ما يرون من حالهم وحال خيلهم ، فلما دخلوا على يزدجرد أمرهم بالجلوس ، وكان سيئ الأدب ، فكان أول شئ دار بينه وبينهم أن قال لترجمانه : سلهم ما يسمون هذه الأردية ؟ فسأل النعمان بن مقرن ، وكان على الوفد : ما تسمى رداءك ؟ قال : البرد . قال : فتطير لموافقة هذا الاسم اسم شئ متطير به عندهم ، وتغيرت ألوان فارس ، وشق ذلك عليهم . ثم قال : سلهم عن أحذيتهم ، فسأله . فقال : النعال ، فتطير ، أيضا ، لمثل ذلك ، ثم سأله عن الذي في يده ، فقال : سوط ، والسوط بالفارسية الحريق ، فقال : أحرقوا فارس أحرقهم الله ، وكان تطيره على أهل فارس ، ثم قال لترجمانه : سلهم ما جاء بكم ، وما دعاكم إلى غزونا والولوغ ببلادنا ؟ أمن أجل أنا أجممناكم ، وتشاغلنا عنكم ، اجترأتم علينا ؟ فقال لهم النعمان بن مقرن : إن شئتم أجبت عنكم ، ومن شاء آثرته . قالوا : بل تكلم ، وقالوا للملك : كلام هذا الرجل كلامنا . فتكلم النعمان . فقال إن الله رحمنا فأرسل إلينا رسولا يدلنا على الخير ويأمرنا به ، ويعرفنا الشر وينهانا عنه ، ووعدنا على إجابته خير الدنيا والآخرة ، فلم يدع لذلك قبيلة إلا صاروا فرقتين : فرقة تقاربه ، وفرقة تباعده ، ولا يدخل معه في دينه إلا الخواص . فمكث بذلك ما شاء الله أن يمكث ، ثم أمر أن ينبذ إلى من خالفه من العرب ، ويبدأ بهم ففعل ، فدخلوا معه جميعا على وجهين : مكره عليه فاغتبط ، وطائع أتاه فازداد ، فعرفنا جميعا فضل ما جاءنا به على ما كنا عليه من العداوة والضيق ، ثم أمرنا أن نبدأ بمن يلينا من الأمم فندعوهم إلى الإنصاف ، فنحن ندعوهم إلى ديننا ، وهو دين حسن الحسن وقبح القبيح ، فإن أبيتم فأمر من الشر هو أهون ما آخر شر منه الجزاء ، فإن أبيتم فالمناجزة ، فإن أجبتم إلى ديننا خلفنا فيكم كتاب الله ، وأقمناكم عليه ، وعلى أن تحكموا بأحكامه ، ونرجع عنكم وشأنكم وبلادكم ، فإن اتقيتمونا بالجزاء قبلنا منكم ومنعناكم ، وإلا قاتلناكم . قال : فتكلم يزدجرد ، فقال : إني لا أعلم في الأرض أمة كانت أشقى ولا أقل عددا