سليمان بن موسى الكلاعي
336
الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله ( ص ) والثلاثة الخلفا
فقال المقوقس لما أتاه كتابه : والله إنهم على قلتهم وضعفهم أقوى وأشد منا على كثرتنا وقوتنا ، إن الرجل الواحد منهم ليعدل مائة رجل منا ، وذلك أنهم قوم الموت أحب إليهم من الحياة ، يقاتل الرجل منهم وهو مستقتل ، يتمنى أن لا يرجع إلى أهله ولا بلده ، ولا ولده ، ويرون أن لهم أجرا عظيما فيمن قتلوا منا ، ويقولون إنهم إن قتلوا دخلوا الجنة ، وليس لهم رغبة في الدنيا ولا لذة إلا قدر بلغة العيش من الطعام واللباس ، ونحن قوم نكره الموت ونحب الحياة ولذتها ، فكيف نستقيم نحن وهؤلاء ، وكيف صبرنا معهم ، واعلموا معشر الروم أنى والله لا أخرج مما دخلت فيه وصالحت العرب عليه ، وأنى لأعلم أنكم سترجعون غدا إلى قولي ورأيي ، وتتمنون أن لو كنتم أطعمتونى ، وذلك أنى قد عانيت ورأيت وعرفت ما لم يعاين الملك ولم يره ولم يعرفه ، ويحكم أما يرضى أحدكم أن يكون آمنا في دهره على نفسه وماله وولده بدينارين في السنة ؟ . ثم أقبل المقوقس إلى عمرو بن العاص فقال له : إن الملك قد كره ما فعلت وعجزنى ، وكتب إلىّ وإلى جماعة الروم أن لا نرضى بمصالحتك ، أمرهم بقتالك حتى يظفروا بك أو تظفر بهم ، ولم أكن لأخرج مما دخلت فيه وعاقدتك عليه ، وإنما سلطاني على نفسي ومن أطاعني ، وقد تم صلح القبط فيما بينك وبينهم ، ولم يأت من قبلهم نقض وأنا متم لك على نفسي ، والقبط متمون لك على الصلح الذي صالحتهم عليه وعاهدتهم ، وأما الروم فأنا منهم برئ ، وأنا أطلب إليك أن تعطيني ثلاث خصال . قال عمرو : وما هن ؟ . قال : لا تنقض بالقبط ، وأدخلني معهم وألزمنى ما لزمهم ، فقد اجتمعت كلمتي وكلمتهم على ما عاهدتك عليه وهم متمون لك على ما تحب . وأما الثانية : إن سألك الروم بعد اليوم أن تصالحهم فلا تصالحهم حتى تجعلهم فيئا وعبيدا ، فإنهم أهل لذلك ؛ لأنى نصحتهم فاستغشونى ، ونظرت لهم فاتهموني . وأما الثالثة : أطلب إليك أن إذا مت أن تأمرهم يدفنوني في أبى يحنس بالإسكندرية . فأنعم له عمرو بن العاص بذلك وأجابه إلى ما طلب ، على أن يضمنوا له الجسرين جميعا ، ويقيموا لهم الأنزال والضيافة والأسواق والجسور ما بين الفسطاط إلى الإسكندرية ، ففعلوا . ويقال : إن المقوقس إنما صالح عمرو بن العاص على الروم وهو محاصر الإسكندرية ، وبعد أن حصر أهلها ثلاثة أشهر وألح عليهم وخافوه ، فسأله المقوقس الصلح عنهم ، كما