سليمان بن موسى الكلاعي

334

الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله ( ص ) والثلاثة الخلفا

قالوا : فنكون لهم عبيدا أبدا ؟ . قال : نعم ، أن تكونوا عبيدا منبسطين « 1 » في بلادكم ، آمنين على أنفسكم وأموالكم وذراريكم ، خير لكم من أن تموتوا من آخركم ، أو تكونوا عبيدا تباعون وتمزقون في البلاد مستعبدين أبدا أنتم وأهلكم وذراريكم . قالوا : فالموت أهون علينا ، وأمروا بقطع الجسر من الفسطاط والجزيرة ، وبالقصر من القبط والروم جمع كثير . فألح المسلمون عند ذلك بالقتال على من في القصر ، حتى ظفروا بهم وأمكن الله منهم ، فقتل منهم خلق كثير ، وأسر من أسر ، وانحازت السفن كلها إلى الجزيرة ، وصار المسلمون قد أحدق بهم الماء من كل جهة لا يقدرون على أن يتقدموا نحو الصعيد ولا إلى غير ذلك من المدائن والقرى ، والمقوقس يقول لأصحابه : ألم أعلمكم هذا وأخفه عليكم ؟ ما تنتظرون ، فوالله لتجيبن إلى ما أرادوا طوعا أو لتجيبنهم إلى ما هو أعظم كرها ، فأطيعونى من قبل أن تندموا . فلما رأوا منهم ما رأوا ، وقال لهم المقوقس ما قال ، أذعنوا بالجزية ، ورضوا بها على صلح يكون بينهم يعرفونه . فأرسل المقوقس إلى عمرو بن العاص : أنى لم أزل حريصا على إجابتك إلى خصلة من الخصال التي أرسلت إلىّ بها فأبى ذلك علىّ من حضرني من الروم والقبط ، فلم يكن لي أن أفتات عليهم في أموالهم ، وقد عرفوا نصحى لهم وحبى صلاحهم فرجعوا إلى قولي ، فأعطني أمانا أجتمع أنا وأنت ، أنا في نفر من أصحابي ، وأنت في نفر من أصحابك ، فإن استقام الأمر بيننا تم ذلك لنا جميعا ، وإن لم يتم رجعنا إلى ما كنا عليه . فاستشار عمرو أصحابه في ذلك ، فقالوا : لا نجيبهم إلى شئ من الصلح ولا الجزية حتى يفتح الله علينا ، وتصير كلها لنا فيئا وغنيمة كما صار لنا القصر وما فيه . فقال عمرو : قد علمتم ما عهد إلىّ أمير المؤمنين في عهده ، فإن أجابوا إلى خصلة من الخصال الثلاث التي عهد إلىّ فيها أجبتم إليها وقبلت منهم ، مع ما قد حال هذا الماء بيننا وبين ما نريد من قتالهم . فاجتمعوا على عهد بينهم ، واصطلحوا على أن يفرض على جميع من بمصر أعلاها

--> ( 1 ) في ابن عبد الحكم : مسلطين .