سليمان بن موسى الكلاعي

330

الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله ( ص ) والثلاثة الخلفا

وزعم بعض مشايخ أهل مصر أن الأعيرج تخلف في الحصن بعد المقوقس ، وهو رجل من الروم كان واليا على الحصن تحت يدي المقوقس ، وكانت سفنهم ملصقة بالحصن ، فلما خاف الأعيرج فتح الحصن ركبها هو وأهل القوة والشرف ثم لحقوا بالمقوقس بالجزيرة . قال أصحاب الحديث من التابعين : فأرسل المقوقس إلى عمرو : إنكم قوم قد ولجتم في بلادنا وألححتم على قتالنا ، وطال مكثكم في أرضنا ، وإنما أنتم عصبة يسيرة وقد أظلتكم الروم معهم العدة والسلاح ، وأحاط بكم هذا النيل ، وإنما أنتم أسارى في أيدينا ، فابعثوا إلينا رجالا منكم نسمع من كلامهم ، فلعله أن يأتي الأمر فيما بيننا وبينكم على ما تحبون ونحب ، وينقطع عنا وعنكم هذا القتال قبل أن تغشاكم جموع الروم فلا ينفعنا الكلام ولا نقدر عليه ، ولعلكم أن تندموا إن كان الأمر مخالفا لطلبتكم ورجائكم . فلما أتت عمرو بن العاص رسل المقوقس بهذا حبسهم عنده يومين وليلتين حتى خاف عليهم المقوقس ، فقال لأصحابه : أترون أنهم يقتلون الرسل ويحبسونهم ويستحلون ذلك في دينهم ؟ وإنما أراد عمرو أن يروا حال المسلمين ، ثم رد عمرو إلى المقوقس رسله ، وقال لهم : إنه ليس بيني وبينكم إلا إحدى ثلاث خصال : إما دخلتم في الإسلام فكنتم إخواننا ، وكان لكم ما لنا ، وإما أبيتم فأعطيتم الجزية عن يد وأنتم صاغرون ، وإما جاهدناكم بالصبر والقتال حتى يحكم الله بيننا وبينكم وهو خير الحاكمين . فلما جاؤوا إلى المقوقس قال لهم : كيف رأيتم ؟ قالوا : رأينا قوما الموت أحب إلى أحدهم من الحياة ، والتواضع أحب إليه من الرفعة ، ليس لأحدهم في الدنيا رغبة ولا نهمة ، إنما جلوسهم على التراب ، وأكلهم على ركبهم ، وأميرهم كواحد منهم ، ما يعرف رفيعهم من وضيعهم ولا السيد فيهم من العبد ، وإذا حضرت الصلاة لم يتخلف عنها أحد منهم ، يغسلون بالماء أطرافهم ، ويخشعون في صلاتهم . فقال عند ذلك المقوقس : والذي يحلف به لو أن هؤلاء استقبلوا الجبال لأزالوها وما يقوى على قتال هؤلاء أحد ، ولئن لم نغتنم صلحهم اليوم وهم محصورون بهذا النيل لم يجيبونا بعد اليوم إذا أمكنتهم الأرض وقووا على الخروج من موضعهم . فرد إليهم المقوقس رسله : أن ابعثوا إلينا رسلا منكم نعاملهم ونتداعى نحن وهم إلى ما عساه أن يكون فيه صلاح لنا ولكم . فبعث عمرو بن العاص عشرة نفر أحدهم عبادة بن الصامت ، وأمره عمرو أن يكون