سليمان بن موسى الكلاعي
321
الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله ( ص ) والثلاثة الخلفا
وقد كانوا أذلوهم وأجحروهم وضيقوا عليهم حتى جهدوا ، وظنوا أنهم أوهن أمرا ، وأضعف من أن يخرجوا عليهم ، فما راع المسلمين إلا وأهل قيسارية يضاربونهم بالسيوف بأجمعهم إلى جانب عسكرهم ، فجال المسلمون جولة منكرة . ثم إن يزيد خرج مسرعا يمشى إليهم ، حتى إذا دنا منهم جالدهم طويلا ، وتتامت إليه خيل المسلمين ورجالتهم ، وخرج المسلمون على راياتهم وصفوفهم ، فلما كثروا عنده أمر الخيل فحملت عليهم ، ونهض بالرجال في وجوههم ، ثم حمل هو عليهم فانهزموا انهزاما قبيحا شديدا ، وقتلهم المسلمون قتلا ذريعا ، وركب بعضهم بعضا ، فبعض دخل المدينة ، وبعض ذهبوا على وجوههم فلم يدخلوها ، وقتل الله منهم في المعركة نحوا من خمسة آلاف ، فلما رأى يزيد ما أنزل الله بهم من الخزي والقتل ، وما صيرهم إليهم من الذل ، قال لمعاوية : أقم عليها حتى يفتحها الله ، وانصرف يزيد عنها . فلم يلبث معاوية عليها إلا يسيرا حتى فتحها الله على يديه ، وذلك سنة تسع عشرة ، وكانت هي وجلولاء في سنة واحدة ، وفرح المسلمون بذلك فرحا شديدا ، لأنه لم يبق بالشام في أقصاها وأدناها عدو حينئذ ، وقد نفى الله المشركين عنها ، وصار الشام كله في أيدي المسلمين . وكتب يزيد إلى عمر : أما بعد ، فإن رأى أمير المؤمنين لأهل الشام كان رأيا أرشده الله وأرشد به من أخذ به ، وبارك له ولأهل طاعته فيه ، وإني أخبر أمير المؤمنين أنا التقينا نحن وأهل قيسارية غير مرة ، وكل ذلك يجعل الله جدهم الأسفل ، وكدهم الأخسر ، ويجعل لنا عليهم الظفر ، فلما رأوا أن الله قد أذهب ريحهم ، وأذلهم وأنزل عليهم الصغار والهوان ، وقتل صناديدهم وفرسانهم وملوكهم لزموا حصنهم ، وانحجزوا في مدينتهم ، فأطلنا حصارهم ، وقطعنا موادهم ، وميرتهم ، وضيقنا أشد التضييق عليهم ، فلما جهدوا هزلا وأزلا ، فتحها الله علينا ، والحمد لله رب العالمين . فكتب إليه عمر ، رحمه الله : أما بعد ، فقد أتاني كتابك ، وسمعت ما ذكرت فيه من الفتح على المسلمين ، والحمد لله رب العالمين ، فاشكروا الله يزدكم ويتم نعمته عليكم ، وإن الله قد كفاكم مؤنة عدوكم ، وبسط لكم في الرزق ، ومكن لكم في البلاد ، وآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ، والسلام عليك . فلما أتى يزيد هذا الكتاب ، قرأه على المسلمين ، فحمدوا الله على ما أنعم عليهم ،