سليمان بن موسى الكلاعي

314

الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله ( ص ) والثلاثة الخلفا

فقسط فيما بينهم كل جزية * وكل رفاد كان أهنى وأحمد قال صاحب فتوح الشام « 1 » : ثم إن عمر رضي الله عنه ، خرج من الشام مقبلا إلى المدينة ، فلما دنا منها استقبله الناس يهنئونه بالنصر والفتح ، فجاء حتى دخل مسجد رسول الله صلى اللّه عليه وسلم فصلى ركعتين عند المنبر ، ثم صعد المنبر ، واجتمع الناس إليه ، فقام ، فحمد الله وأثنى عليه ، وصلى على النبي محمد صلى اللّه عليه وسلم وقال : يا أيها الناس ، إن الله قد اصطنع عند هذه الأمة أن يحمدوه ويشكروه ، وقد أعز دعوتها وجمع كلمتها ، وأظهر فلجها ، ونصرها على الأعداء ، وشرفها ومكن لها في الأرض ، وأورثها بلاد المشركين وديارهم وأموالهم ، فأحدثوا لله عز وجل شكرا يزدكم ، واحمدوه على نعمه عليكم يدمها لكم ، جعلنا الله وإياكم من الشاكرين . ثم نزل . قال : فمكث المسلمون بالشام عليها أبو عبيدة بن الجراح ، ومكث فيها بعد خروج عمر منها ثلاث سنين ، ثم توفى رحمه الله ، في طاعون عمواس ، وكان طاعونا عم أهل الشام ، ومات فيه بشر كثير ، وكانت وفاة أبى عبيدة بالأردن ، وبها قبره ، ولما طعن رحمه الله ، دعا المسلمين ، فدخلوا عليه ، فقال لهم : إني موصيكم بوصية ، فإن قبلتموها لم تزالوا بخير ما بقيتم ، وبعد ما تهلكون : أقيموا الصلاة ، وآتوا الزكاة ، وصوموا ، وتصدقوا ، وحجوا واعتمروا ، وتواصلوا وتحابوا ، واصدقوا أمراءكم ، ولا تغشوهم ، ولا تلهكم الدنيا ، فإن امرأ لو عمر ألف حول ما كان له بد من أن يصير إلى مثل مصرعى هذا الذي ترون ، إن الله قد كتب الموت على بني آدم ، فهم ميتون ، فأكيسهم أطوعهم لربه ، وأعملهم ليوم معاده . ثم قال لمعاذ بن جبل : يا معاذ ، صل بالناس ، فصلى معاذ بهم ، ومات أبو عبيدة ، رحمة الله عليه ومغفرته ورضوانه ، فقام معاذ في الناس فقال : يا أيها الناس ، توبوا إلى الله توبة نصوحا ، فإن عبدا إن يلق الله تائبا من ذنبه كان حقا على الله أن يغفر له ذنوبه ، ومن كان عليه دين فليقضه ، فإن العبد مرتهن بدينه ، ومن أصبح منكم مصارما مسلما فليلقه فيصالحه ، إذا لقيه ، وليصافحه ، فإنه لا ينبغي لمسلم أن يهجر أخاه المسلم فوق ثلاثة أيام ، والذنب في ذلك عظيم عند الله ، وإنكم أيها المسلمون قد فجعتم برجل ، والله ما أزعم أنى رأيت منكم عبدا من عباد الله قط أقل غمرا ، ولا أبرأ صدرا ، ولا أبعد من الغائلة ، ولا أنصح للعامة ، ولا أشد عليهم تحننا وشفقة منه ، فترحموا عليه ، ثم احضروا الصلاة عليه ، غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، والله لا يلي عليكم مثله أبدا .

--> ( 1 ) انظر : تاريخ فتوح الشام ( 266 - 267 ) .