سليمان بن موسى الكلاعي

308

الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله ( ص ) والثلاثة الخلفا

ويأتزرون على أوساطهم ، وأناجيلهم في صدورهم ، ويأكلون قربانهم في بطونهم ، ويؤخرون عليها ، وتراحمهم بينهم تراحم بنى الأم والأب ، وهم أول من يدخل الجنة يوم القيامة من الأمم ، وهم السابقون المقربون المشفعون المشفع لهم ، فلما قرأت هذا قلت في نفسي : والله ما علمني أبى شيئا هو خير لي من هذا ، فمكثت بذلك ما شاء الله ، حتى بعث النبي صلى اللّه عليه وسلم وبينى وبينه بلاد بعيدة ، منقطعة ، لا أقدر على إتيانه ، وبلغنى أنه خرج في مكة ، وهو يظهر مرة ويستخفى مرة ، فقلت : هو هذا ، وتخوفت ما كان والدي حذرنى وخوفنى من الكذابين ، وجعلت أحب أتبين وأتثبت ، فلم أزل بذلك حتى بلغني أنه قد أتى المدينة ، فقلت في نفسي : إني لأرجو أن يكون إياه ، وجعلت ألتمس السبيل إليه ، فلم يقدر لي حتى بلغني أنه قد توفى صلوات الله عليه وسلامه . فقلت في نفسي : لعله لم يكن الذي كنت أظن ، ثم بلغني أن خليفته قام مقامه ، ثم لم ألبث إلا قليلا حتى جاءتنا جنوده ، فقلت في نفسي : لا أدخل في هذا الدين حتى أعلم أهم الذين كنت أرجو وأنتظر وأنظر كيف سيرتهم وأعمالهم وإلى ما تكون عاقبتهم ، فلم أزل أدفع ذلك وأؤخر لأتبين وأتثبت حتى قدم علينا عمر بن الخطاب ، فلما رأيت صلاة المسلمين وصيامهم وبرهم ووفاءهم بالعهد ، وما صنع الله لهم على الأعداء ، علمت أنهم هم الذين كنت أنتظر ، فحدثت نفسي بالدخول في الإسلام ، فوالله إني ذات ليلة فوق سطح لي ، إذا رجل من المسلمين يتلو كتاب الله تعالى ، حتى أتى على هذه الآية : يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ وكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا [ النساء : 47 ] . قال : فلما سمعت هذه الآية خشيت والله ألا أصبح حتى يحول وجهي في قفاي ، فما كان شئ أحب إلىّ من الصباح ، فغدوت على عمر ، فأسلمت حين أصبحت . وقال كعب لعمر عند انصرافه عن الشام : يا أمير المؤمنين ، إنه مكتوب في كتاب الله : إن هذه البلاد التي كان فيها بنو إسرائيل ، وكانوا أهلها ، مفتوحة على رجل من الصالحين ، رحيم بالمؤمنين ، شديد على الكافرين ، سره مثل علانيته ، وعلانيته مثل سره ، وقوله لا يخالف فعله ، والقريب والبعيد عنده في الحق سواء ، وأتباعه رهبان بالليل وأسد بالنهار ، متراحمون متواصلون متباذلون . فقال له عمر : ثكلتك أمك ، أحق ما تقول ؟ قال : أي والذي أنزل التوراة على موسى ، والذي يسمع ما نقول ، إنه لحق .