سليمان بن موسى الكلاعي
307
الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله ( ص ) والثلاثة الخلفا
بلادنا رخيص ، وإنا نصيب هذا الذي ذكر بلال هاهنا بمثل ما كنا نقوت به عيالنا بالحجاز ، فقال عمر : والله لا أبرح العرصة أبدا حتى تضمنوا لي أرزاق المسلمين في كل شهر ، ثم قال : انظروا ، كم يكفى الرجل ويسعه في كل يوم ، فقالوا : كذا وكذا ، فقال : كم يكون ذلك في الشهر ، قالوا : جريبين من قمح مع ما يصلحه من الزيت والخل عند رأس كل هلال ، فضمنوا له ذلك ، ثم قال : يا معشر المسلمين ، هذا لكم سوى أعطياتكم ، فإن وفا لكم أمراؤكم بهذا الذي فرضته لكم وأعطوكموه في كل شهر ، فذلك ما أحب ، وإن هم لم يفعلوا ، فأعلمونى حتى أعزلهم عنكم ، وأولى أمركم غيرهم ، فلم يزل ذلك جاريا دهرا حتى قطع بعد ذلك . وعن شهر بن حوشب « 1 » : أن إسلام كعب الحبر وهو من اليمن من حمير ، كان في قدوم عمر الشام ، وأن كعبا أخبره بأمره ، وكيف كان ذلك . قال : وكان أبوه من مؤمني أهل التوراة برسول الله صلى اللّه عليه وسلم وكان من عظمائهم وخيارهم . قال كعب : وكان من أعلم الناس بما أنزل الله على موسى من التوراة ، وبكتب الأنبياء ، ولم يكن يدخر عنى شيئا مما كان يعلم ، فلما حضرته الوفاة دعاني فقال : يا بنى قد علمت أنى لم أكن أدخر عنك شيئا مما كنت أعلم ، إلا أنى حبست عنك ورقتين فيهما ذكر نبي يبعث ، وقد أظل زمانه ، فكرهت أن أخبرك بذلك ، فلا آمن عليك بعد وفاتي أن يخرج بعض هؤلاء الكذابين فتتبعه ، وقد قطعتهما من كتابك وجعلتهما في هذه الكوة التي ترى ، وطينت عليهما ، فلا تتعرضن لهما ولا تنظر فيهما زمانك هذا ، وأقرهما في موضعهما حتى يخرج ذلك النبي ، فإذا خرج فاتبعه ، وانظر فيهما ، فإن الله يزيدك بذلك خيرا . فلما مات والدي لم يكن شئ أحب إلىّ من أن ينقضى المأتم حتى أنظر في الورقتين ، فلما انقضى المأتم فتحت الكوة ، ثم استخرجت الورقتين ، فإذا فيهما : محمد رسول الله ، خاتم النبيين ، لا نبي بعده ، مولده بمكة ، ومهاجره بطيبة ، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق ، ولا يجزى بالسيئة السيئة ، ولكن يجزى بالسيئة الحسنة ، ويعفو ويغفر ويصفح ، أمته الحمادون ، الذين يحمدون الله على كل شرف وعلى كل حال ، وتذلل ألسنتهم بالتكبير ، وينصر الله نبيهم على كل من ناوأه ، يغسلون فروجهم بالماء ،
--> ( 1 ) انظر : تاريخ فتوح الشام ( 259 - 262 ) .