سليمان بن موسى الكلاعي
305
الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله ( ص ) والثلاثة الخلفا
قال : ثم خرج عمر رحمه الله ، من الجابية إلى إيلياء ، فخرج إليه المسلمون يستقبلونه ، وخرج أبو عبيدة بالناس أجمعين ، وأقبل هو على جمل له ، وعليه رحله ، وعليه صفة من جلد كبش حولى ، فانتهى إلى مخاضة ، فأقبلوا يبتدرونه ، فقال للمسلمين : مكانكم ، ثم نزل عن بعيره ، فأخذ بزمانه وهو من ليف ، ثم دخل الماء بين يدي جمله ، حتى جاز الماء إلى أصحاب أبي عبيدة ، فإذا معهم برذون يجنبونه ، فقال له : يا أمير المؤمنين ، اركب هذا البرذون ، فإنه أجمل بك وأهون عليك في ركوبك ، ولا نحب أن يراك أهل الذمة في مثل هذه الهيئة التي نراك فيها ، واستقبلوه بثياب بيض ، فنزل عمر عن جمله وركب البرذون ، وترك الثياب ، فلما هملج به البرذون ، نزل عنه ، وقال : خذوا هذا عنى ، فإنه شيطان ، وأخاف أن يغير على قلبي ، فقالوا : يا أمير المؤمنين ، لو لبست هذه الثياب البيض ، وركبت هذا البرذون لكان أجمل في المروءة وأحسن في الذكر وخيرا في الجهاد . فقال عمر رضي الله عنه : ويحكم ، لا تعتزوا بغير ما أعزكم الله به فتذلوا ، ثم مضى ومضى المسلمون معه حتى أتى إيلياء ، فنزل بها ، فأتاه رجال من المسلمين فيهم أبو الأعور السلمى ، وقد لبسوا لباس الروم ، وتشبهوا بهم في هيئتهم ، فقال عمر : احثوا في وجوههم التراب ، حتى يرجعوا إلى هيئتنا وسنتنا ولباسنا ، وكانوا قد أظهروا شيئا من الديباج ، فأمر بهم فحرق عليهم . وفى غير هذا الحديث مما ذكره سيف « 1 » : أن خالد بن الوليد لقى عمر عند مقدمة الجابية في الخيل ، عليهم الديباج والحرير ، فنزل ، وأخذ الحجارة فرماهم بها ، وقال : سرعان ما لفتم عن رأيكم ، إياي تستقبلون في هذا الزي ، وإنما شبعتم منذ سنتين ، سرعان ما نزت بكم البطنة ، وتالله لو فعلتموها على رأس المائتين لاستبدلت بكم غيركم ، فقالوا : يا أمير المؤمنين ، إنها يلامقة ، وإن علينا السلاح ، قال : فنعم إذا . وفى حديث أبي سعيد الخدري « 2 » ، فقال يزيد بن أبي سفيان : يا أمير المؤمنين ، إن الثياب والدواب عندنا كثيرة ، والعيش عندنا رفيع ، والسعر رخيص ، وحال المسلمين كما تحب ، فلو أنك لبست من هذه الثياب البيض وركبت من هذه الدواب الفره ، وأطعمت المسلمين من هذا الطعام الكثير ، كان أبعد الصوت ، وأزين لك في هذا الأمر ، وأعظم لك في الأعاجم . فقال له : يا يزيد لا والله لا أدع الهيئة التي فارقت عليها صاحبي ، ولا أتزين للناس بما أخاف أن يشيننى عند ربى ، ولا أريد أن يعظم أمرى عند الناس ويصغر عند الله .
--> ( 1 ) انظر : تاريخ الطبري ( 3 / 607 ) . ( 2 ) انظر : تاريخ فتوح الشام ( 253 ) .