سليمان بن موسى الكلاعي

289

الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله ( ص ) والثلاثة الخلفا

أصحابك ؟ قال : نعم ، قال : فإنه لا ينبغي لك أن تخاصم ابن عمك وقد رضيت به جماعة قومك قبل قدومك عليهم ، قال الأشتر : فإنه رضى شريف وأهل ذلك هو ، وأنا أهل الرياسة ، فلتعقبنى من رياسة قومي فأليهم كما وليهم هذا ، فقال أبو عبيدة : تأخروا ذلك حتى تكون هذه الوقعة ، فإن استشهدتما جميعا فما عند الله خير لكما ، وإن هلك أحدكما وبقى الآخر كان الباقي منكما الرأس على قومه ، وإن تبقيا جميعا أعقبناك منه إن شاء الله ، قال الأشتر : فقد رضيت ، فلما كانت الواقعة استشهد فيها رأس النخع الأول ، فعقد أبو عبيدة للأشتر عند ذلك . وفى حديث آخر أن الأشتر كان من جلداء الرجال وأشدائهم وأهل القوة والنجدة منهم ، وأنه قتل يوم اليرموك ، قبل أن ينهزموا أحد عشر رجلا من بطارقتهم ، وقتل منهم ثلاثة مبارزة وتوجه مع خالد في طلب الروم حين انهزموا ، فلما بلغوا ثنية العقاب من أرض دمشق وعليها جماعة من الروم عظيمة ، أقبلوا يرمون المسلمين من فوقهم بالصخر ، فتقدم إليهم الأشتر في رجال من المسلمين ، وإذا أمام الروم رجل جسيم من عظمائهم وأشدائهم ، فوثب إليه الأشتر لما دنا منه ، فاستويا على صخرة مستوية ، فاضطربا بسيفيهما ، فضرب الأشتر كتف الرومي فأطارها ، وضربه الرومي بسيفه فلم يضره شيئا ، واعتنق كل واحد منهما صاحبه ، ثم دفعه الأشتر من فوق الصخرة فوقعا منها ، ثم تدحرجا ، والأشتر يقول وهما يتدحرجان : إِنَّ صَلاتِي ونُسُكِي ومَحْيايَ ومَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وبِذلِكَ أُمِرْتُ وأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [ الأنعام : 162 ، 163 ] ، فلم يزل يقول هذا وهو في ذلك ملازم العلج لا يتركه ، حتى انتهيا إلى موضع مستو من الجبل ، فلما استقرا فيه وثب الأشتر على الرومي فقتله ، ثم صاح في الناس : أن جوزوا ، فلما رأت الروم أن صاحبهم قد قتله الأشتر خلوا سبيل العقبة للناس ، ثم انهزموا . وأقبل أبو عبيدة في أثر خالد حتى انتهى إلى حمص ، فأمر خالدا أن يتقدم إلى قنسرين ، ولما انتهت الهزيمة إلى ملك الروم وهو بأنطاكية ، قال : قد كنت أعلم أنهم سيهزمونكم ، فقال له بعض جلسائه : ومن أين علمت ذلك أيها الملك ، قال من حيث أنهم تحبون الموت كما نحبون أنتم الحياة ، ويرغبون في الآخرة أشد من رغبتكم في الدنيا ، ولا يزالون ظاهرين ما كانوا هكذا ، وليغيرن كما غيرتم ، ولينقضن كما نقضتم . وفى حديث عن عبد الله بن قرط « 1 » : أن أول من جاء ملكهم بالهزيمة رجل منهم ، فقال له : ما وراءك ؟ قال : خير ، أيها الملك ، هزمهم الله وأهلكهم ، يعنى المسلمين ، قال :

--> ( 1 ) انظر : تاريخ فتوح الشام ( 234 ) .