سليمان بن موسى الكلاعي
281
الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله ( ص ) والثلاثة الخلفا
فأخذنا نهرب ، فمنا من يسقط على وجهه ومنا من يتبلد لا يستطيع أن يبرح من مكانه ، ومنا من يحل كتافه ثم يسعى حتى لا نراه . فقال له باهان : أما من رأيت يسقط على وجهه ، ومن رأيته يتبلد لا يطيق أن يسعى ولا يتنحى من مكانه فهم الذي يهلكون ، وأما الذين رأيت يحلون كتافهم ويسعون حتى لا نراهم ، فأولئك الذين ينجون ، ثم قال له باهان : أما أنت فوالله لا تسلم منى أبدا ، فوجهك الذي بشر بالشر وقنط من الخير ، ألست الذي كنت أشد الناس علىّ في أمر الرجل الذي قتل رجلا من أهل الذمة ، فأردت أن أقتله ، فكنت أنت من أشد الناس علىّ في أمره حتى عطلت حدا من حدود الله وتركته ، وكان علىّ من الحق أن أقيمه ، فحلت بيني وبينه في جماعة من السفهاء ، وتركته كراهية أن أفرق جماعتكم أو أن يضرب بعضكم بعضا ، فأما الآن ، فقد حدثت نفسي بالموت ، وإنما ألقى القوم عن ساعة ، فإن شئتم الآن فتفرقوا ، وإن شئتم فاجتمعوا وأنا أتوب إلى الله من ترك ذلك الحد يومئذ ، فإنه لم يك يسعني ولا ينبغي لي إلا قتله ، ولو قتلتموني معه ، ثم أمر به فضربت عنقه . قال : وطلب الرومي الذي كان قتل الذمي فهرب منه فلم يقدر عليه ، وقد تقدمت قصة هذا الرومي المقتول تعديا فيما أخرجناه قبل من الحديث عن أبي بشر التنوخي ، فأغنى ذلك عن إعادتها . وعن راشد بن عبد الرحمن الأزدي « 1 » : أن باهان زحف يوم اليرموك إلى المسلمين في عشرين صفا تضم نحوا من أربعمائة ألف مقاتل ، وأصبح المسلمون طيبة أنفسهم لقتال المشركين ، قد شرح الله صدورهم وشجع قلوبهم على لقاء عدوهم ، فأخرجهم أبو عبيدة وجعل على ميمنته معاذ بن جبل ، وعلى ميسرته قباث بن أشيم ، وعلى الرجالة هاشم بن عتبة ، وعلى الخيل خالد بن الوليد ، وخرج الناس على راياتهم وفيهم أشراف العرب وفرسانهم من رجالهم وقبائلهم ، وفيهم الأزد وهم ثلث الناس ، وحمير ، وهم عظم الناس ، وفيهم همدان وخولان ومذحج وخثعم وقضاعة ولخم وجذام وعاملة وغسان وكندة وحضرموت ، ومعهم جماعة من كنانة ، ولكن عظم الناس أهل اليمن ، ولم يحضرها يومئذ أسد ولا تميم ولا ربيعة ، ولم تكن دارهم هنالك ، إنما كانت دارهم عراقية ، فقاتلوا أهل فارس بالعراق ، فلما برز المسلمون إلى عدوهم ، سار أبو عبيدة فيهم ، ثم قال : يا عباد الله ، انصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم فإن وعد الله حق ، يا معشر المسلمين ، اصبروا فإن الصبر منجاة من الكفر ومرضاة للرب ومدحضة للعار ، فلا تبرحوا
--> ( 1 ) انظر : تاريخ فتوح الشام ( 217 ) .