سليمان بن موسى الكلاعي
272
الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله ( ص ) والثلاثة الخلفا
أسلمت وجاهدت معكم ؟ فقالوا له : نعم ، إن أنت أسلمت واستقمت ولم تغير حتى تموت وأنت على ذلك فإنك من أهل الجنة ، قال : فإني أشهدكم أنى من المسلمين ، فأسلم وفرح المسلمون بإسلامه ، وصافحوه ودعوا له بخير ، وقالوا له : إنا إن أرسلنا رسولنا إلى صاحبكم وأنت عندنا ظنوا أنا حبسناك عنهم ، فنتخوف أن يحبسوا صاحبنا ، فإن شئت أن تأتيهم الليلة وتكتم إسلامك حتى نبعث إليهم رسولنا غدا وننظر علام ينصرم الأمر بيننا وبينهم ، فإذا رجع رسولنا إلينا أتيتنا عند ذلك ، فما أعزك علينا وأرغبنا فيك وأكرمك علينا ، وما أنت الآن عند كل امرئ منا إلا بمنزلة أخيه لأبيه وأمه . قال : فإنكم نعم ما رأيتم ، فخرج فبات في أصحابه ، وقال لباهان : غدا يجيئكم رسول القوم الذي سألتم ، وانصرف إلى المسلمين لما رجع إليهم خالد ، فأسلم وحسن إسلامه . ولما أصبح المسلمون من تلك الليلة بعث خالد بن الوليد بقية له حمراء من أدم كان اشتراها بثلاثمائة دينار ، فضربت له في عسكر الروم ، ثم خرج حتى أتاها ، فأقام فيها ساعة ، وكان خالد رجلا طويلا جميلا جليدا مهيبا لا ينظر إليه رجل إلا ملأ صدره وعرف أنه من جلداء الرجال وشجعانهم ، وأشدائهم ، وبعث باهان إلى خالد وهو في قبته : أن القنى ، وصف له في طريقه عشرة صفوف عن يمينه ، وعشرة صفوف عن شماله ، مقنعين في الحديد ، عليهم الدروع والبيض والسواعد والجواشن والسيوف ، لا يرى منهم إلا الحدق ، وصف من وراء تلك الصفوف خيلا عظيمة ، وإنما أراد أن يريه عدد الروم وعدتهم ليرعبه بذلك ، وليكون أسرع له إلى ما يريد أن يعرض عليه ، فأقبل خالد غير مكترث لما رأى من هيئاتهم وجماعتهم ، ولكانوا أهون عليه من الكلاب ، فلما دنا من باهان رحب به ، ثم قال بلسانه : هاهنا عندي ، اجلس معي فإنك من ذوى أحساب العرب فيما ذكر لي ، ومن شجعانهم ، ونحن نحب الشجاع ذا الحسب ، وقد ذكر لي أن لك عقلا ووفاء ، والعاقل ينفعك كلامه ، والوفى يصدق قوله ويوثق بعهده ، وأجلس فيما بينه وبين خالد ترجمانا له يفسر لخالد ما يقول ، وخالد جالس إلى جنبه . قال الحارث بن عبد الله الأزدي : قال لي خالد يوم غدا إلى عسكر الروم : اخرج معي ، وكنت صديقا له قل ما أفارقه وكان يستشيرنى في الأمر إذا نزل به ، فكنت أشير عليه بمبلغ رأيي ، فكان يقول لي : إنك ما علمت لميمون الرأي ولقل ما أشرت علىّ بمشورة إلا وجدت عاقبتها تؤدى إلى سلامة ، فخرجت يومئذ معه ، حتى إذا دخلنا عسكرهم وضربت قبته وبعث إليه باهان ليلقاه قال لي : انطلق معي ، فقلت له : إن القوم إنما أرادوك ولا أراهم يدعونني أدنو إليهم معك ، فقال لي : امضه ، فمضيت معه ، فلما