سليمان بن موسى الكلاعي

271

الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله ( ص ) والثلاثة الخلفا

فدعا أبو عبيدة خالدا فأخبره بالذي جاء فيه الرومي ، وقال لخالد : القهم فادعهم إلى الإسلام ، فإن قبلوا فهو حظهم ، وكانوا قوما لهم ما لنا وعليهم ما علينا ، وإن أبوا فاعرض عليهم الجزية ، أن يؤدوها عن يد وهم صاغرون ، فإن أبوا فأعلمهم أنا نناجزهم ونستعين الله عليهم ، حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين . قال : وجاء رسولهم هذا الرومي ، عند غروب الشمس فلم يمكث إلا يسيرا حتى حضرت الصلاة فقام المسلمون يصلون صلاتهم ، فلما قضوها قال ذلك الرومي : هذا الليل قد غشينا ، ولكن إذا أصبحت غدوت إلى صاحبنا إن شاء الله ، وجعل ينظر إلى رجال من المسلمين يصلون وهم يدعون الله ويتضرعون إليه ، وجعل ما يفيق وما يصرف بصره عنهم ، فقال عمرو : إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون ، فقال أبو عبيدة : كلا والله ، إني لأرجو أن يكون الله قد قذف في قلبه الإيمان وحببه إليه ، وعرفه فضله ، أو ما تنظر إلى نظره إلى المصلين ؟ ولبث الرومي بذلك قليلا ثم أقبل على أبى عبيدة ، فقال : أيها الرجل ، أخبرني متى دخلتم في هذا الدين ؟ ومتى دعوتم الناس إليه ؟ . فقال أبو عبيدة : دعينا إليه منذ بضع وعشرين سنة ، فمنا من أسلم حين أتاه الرسول ، ومنا من أسلم بعد ذلك ، فقال : هل كان رسولكم أخبركم أنه يأتي من بعده رسول ؟ قال : لا ، ولكنه أخبرنا أنه لا نبىّ بعده ، وأخبرنا أن عيسى ابن مريم قد بشر به قومه ، قال الرومي : وأنا على ذلك من الشاهدين ، إن عيسى ابن مريم قد بشرنا براكب الجمل ، وما أظنه إلا صاحبكم . ثم قال : أخبرني عن قول صاحبكم في عيسى ، فقال له أبو عبيدة : قول صاحبنا فيه قول الله تعالى فيه ، وهو أصدق القائلين وأبرهم ، قال الله تعالى : إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ آل عمران : 59 ] ، وقال تعالى : يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ ولا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ ورُوحٌ مِنْهُ إلى قوله : نْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ ولَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ [ النساء : 171 ، 172 ] . فلما فسر له الترجمان ذلك وبلغ هذا المكان قال : أشهد أن هذه صفة عيسى ، وأشهد أن نبيكم صادق ، وأنه الذي بشر به عيسى ، وأنكم قوم صدق ، وقال لأبى عبيدة : ادع لي رجلين من أول أصحابك إسلاما ، وهما فيما ترى أفضل من معك ، فدعا أبو عبيدة ، معاذ بن جبل وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ، فقال له : هذان من أفضل المسلمين فضلا ، ومن أولهم إسلاما ، فقال لهما الرومي ولأبى عبيدة : أتضمنون لي الجنة إن أنا