سليمان بن موسى الكلاعي
265
الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله ( ص ) والثلاثة الخلفا
قال عبد الله بن قرط « 1 » : وبعثني بكتابه ، فلما قدمت على عمر دعا المهاجرين والأنصار فقرأ عليهم كتاب أبى عبيدة ، فبكى المسلمون بكاء شديدا ، ورفعوا أيديهم ورغبتهم إلى الله عز وجل ، أن ينصرهم ، وأن يعافيهم ويدفع عنهم ، واشتدت شفقتهم عليهم ، وقالوا : يا أمير المؤمنين ، ابعثنا إلى إخواننا ، وأمر علينا أميرا ترضاه لنا ، أو سر أنت بنا إليهم ، فوالله إن أصيبوا فما في العيش خير بعدهم ، قال : ولم أر منهم أحدا كان أظهر جزعا ولا أكثر شفقا من عبد الرحمن بن عوف ، ولا أكثر قولا لعمر : سر بنا يا أمير المؤمنين ، فإنك لو قدمت الشام شد الله قلوب المسلمين ، ورعب قلوب الكافرين . قال : واجتمع رأى أصحاب رسول الله صلى اللّه عليه وسلم على أن يقيم عمر ويبعث المدد ، ويكون ردآ للمسلمين . قال : فقال لي عمر رحمه الله : كم كان بين الروم وبين المسلمين يوم خرج ؟ فقلت : نحو من ثلاث ليال . فقال عمر : هيهات متى يأتي هؤلاء غياثنا . ثم كتب معي إلى أبى عبيدة : أما بعد ، فقد قدم علينا أخو ثمالة بكتابك ، تخبر فيه بنفير الروم إلى المسلمين برا وبحرا ، وبما جاشوا به عليكم من أساقفتهم ورهبانهم ، وأن ربنا المحمود ذا الصنع العظيم والمن الدائم قد رأى مكان هؤلاء الأساقفة والرهبان حين بعث محمدا صلى اللّه عليه وسلم بالحق فنصره بالرعب وأعزه بالنصر ، وقال وهو لا يخلف الميعاد : هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى ودِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ولَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [ الصف : 9 ] ، فلا يهولنك كثرة من جاءك منهم فإن الله منهم برئ ، ومن برئ الله منه كان قمنا أن لا تنفعه كثرته ، وأن يكله الله إلى نفسه ويخذله ، ولا يوحشنك قلة المسلمين في المشركين ، فإن الله معك ، وليس قليلا من كان الله معه ، فأقم بمكانك الذي أنت فيه حتى تلقى عدوك وتناجزهم إن شاء الله ، وستظهر بالله عليهم ، وكفى بالله ظهيرا ووليا وناصرا . وقد فهمت مقالتك : احتسب أنفس المسلمين إن أقاموا ، أو دينهم إن هم هربوا ، فقد جاءهم ما لا قبل لهم به إلا أن يمدهم الله بملائكته أو يأتيهم بغياث من قبله . وأيم الله ، لولا استثناؤك هذا لقد كنت أسأت لعمري ، لئن أقام المسلمون وصبروا فأصيبوا ، لما عند الله خير للأبرار ، ولقد قال الله تعالى فيهم : فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ ومِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا [ الأحزاب : 23 ] ، فطوبى للشهداء ولمن عقل عن الله ممن معك من المسلمين أسوة بالمصرعين حول رسول الله صلى اللّه عليه وسلم في مواطنه ، فما عجز الذين قاتلوا في سبيل الله ولا هابوا لقاء الموت في جنب الله ولا وهن الذين بقوا من بعدهم ولا
--> ( 1 ) انظر : تاريخ فتوح دمشق ( 181 - 184 ) .