سليمان بن موسى الكلاعي

262

الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله ( ص ) والثلاثة الخلفا

شديدة وأصواتا عالية ، فظننا أن القوم يريدون النهوض إلينا ، فتهيأنا وتيسرنا ، ثم دسسنا إليهم عيونا ليأتونا بالخبر ، فما لبثنا إلا قليلا حتى رجعوا إلينا فأخبرونا أن بريدا جاءهم من قبل ملك الروم فبشرهم بمال يقسم بينهم وبمدد يأتيهم ، ففرحوا بذلك ورفعوا له أصواتهم ، واجتمعوا إلى باهان النائب فيهم عن ملكهم ، فقام فيهم فقال : إن الله لم يزل لدينكم هذا معزا وناصرا ، وقد جاءكم قوم يريدون أن يفسدوا عليكم دينكم ويغلبوكم على دنياكم ، وأنتم عدد الحصى والثرى والذر ، والله إن في هذا الوادي منكم لنحوا من أربعمائة ألف مقاتل سوى أتباعكم وأعوانكم ، ومن اجتمع إليكم من سكان بلادكم وممن هو معكم على دينكم ، فلا يهولنكم أمر هؤلاء القوم ، فإن عددهم قليل ، وهم أهل الشقاء والبؤس وجلهم حاسر جائع ، وأنتم الملوك ، وأهل الحصون والقلاع والعدة والقوة ، فلا تبرحوا العرصة حتى تهلكوهم أو تهلكوا أنتم . فقام إليه بطارقتهم فقالوا له : مرنا بأمرك ، ثم انظر ما نصنع . قال : فتيسروا حتى آمركم « 1 » . وعن أبي بشر ، رجل من تنوخ كان مع باهان ، قال : كنت نصرانيا ، فنصرت النصارى على العرب ، فأقبلت مع الروم ، فإذا من نمر به من أهل البلد أحسن شئ ثناء على العرب في سيرتهم وفى كل شئ من أمرهم ، وأقبلت الروم فجعلوا يفسدون في الأرض ويسيئون السيرة ، ويعصون الأمراء ، حتى ضج منهم الناس ، وشكاهم أهل القرى ، فلا تزال جماعة تجىء معها بالجارية قد افتضت ، وجماعة يشكون أن أغنامهم ذبحت ، وآخرون أنهم خربوا وسلبوا ، فلما رأى ذلك باهان ، قام فيهم خطيبا فقال : يا معشر أهل هذا الدين ، إن حجة الله عليكم عظيمة ، إذ بعث إليكم رسولا ، وأنزل عليه كتابا ، وكان رسولكم لا يريد الدنيا ، ويزهدكم فيها ، وأمركم أن لا تظلموا أحدا ، فإن الله لا يحب الظالمين ، وأنتم الآن تظلمون ، فما عذركم غدا عند خالقكم وقد تركتم أمره وأمر نبيكم وما أتاكم به من كتاب ربكم ؟ وهذا عدوكم قد نزل بكم ، يقتل مقاتليكم ، ويسبى ذراريكم ، وأنتم تعملون بالمعاصي ، ولا ترعون منها خشية العقاب ، فإن نزع الله سلطانكم من أيديكم وأظهر عليكم عدوكم فمن الظالم إلا أنتم ، فاتقوا الله وانزعوا عن ظلم الناس « 2 » . فقام إليه رجل من أهل البلد من أهل الذمة يشكو مظلمة ، فتكلم بلسانهم ، وأنا أفقه كلامهم ، فقال : أيها الملك ، عشت الدهر ووقيناك بأنفسنا مكروه الأحداث ، إني امرؤ

--> ( 1 ) انظر : تاريخ فتوح الشام ( 174 - 175 ) . ( 2 ) انظر : تاريخ فتوح الشام ( 175 - 177 ) .