سليمان بن موسى الكلاعي
249
الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله ( ص ) والثلاثة الخلفا
أبى وقاص : إن أبا عبيدة قد أحيط به ولزم حصنه ، فبث المسلمين بالجزيرة ، واشغلهم بالخيول عن أهل حمص ، وأمد أبا عبيدة بالقعقاع بن عمرو . فخرج القعقاع ممدا لأبى عبيدة ، وخرجت الخيول نحو الرقة ونصيبين وحران ، فلما وصلوا الجزيرة وبلغ ذلك الروم الذين كانوا منها وهم بحمص تقوضوا إلى مدائنهم ، وبادروا المسلمين إليها ، فتحصنوا ، ونزل عليهم المسلمون فيها ، ولما دنا القعقاع من حمص راسلت طائفة من تنوخ خالدا ودلوه وأخبروه بما عندهم من الخبر ، فأرسل إليهم خالد : والله لولا أنى في سلطان غيرى ما باليت قللتم أم كثرتم أو أقمتم أو ذهبتم ، فإن كنتم صادقين فانفشوا كما انفش أهل الجزيرة ، فساموا تنوخ ذلك ، فأجابوهم ، وراسلوا خالدا : إن ذلك إليك ، فإن شئت فعلنا ، وإن شئت أن تخرج علينا فننهزم بالروم ، وأوثقوا له ، فقال : بل أقيموا ، فإذا خرجنا فانهزموا بهم . فقال المسلمون لأبى عبيدة : قد أنفش أهل الجزيرة ، وقد ندم أهل قنسرين وواعدوا من أنفسهم ، وهم العرب ، فأخرج بنا وخالد ساكت ، فقال : يا خالد ، ما لك لا تتكلم ؟ فقال : قد عرفت الذي كان من رأيي فلم تسمع من كلامي . قال : فتكلم فإني أسمع منك وأطيعك ، قال : فأخرج بالمسلمين ، فإن الله تعالى قد نقص من عدتهم ، وبالعدد يقاتلون ، ونحن إنما نقاتل منذ أسلمنا بالنصر ، فلا تجفلك كثرتهم . قالوا : فجمع أبو عبيدة الناس ، فحمد الله وأثنى عليه ، وقال : أيها الناس ، إن هذا يوم له ما بعده ، أما من حكى منكم فإنه يصفو له ملكه وقراره ، وأما من مات منكم فإنها الشهادة ، فأحسنوا بالله الظن ولا يكرهن إليكم الموت أمر اقترفه أحدكم دون الشرك ، توبوا إلى الله وتعرضوا للشهادة ، فإني أشهد وليس أوان الكذب ، أنى سمعت رسول الله صلى اللّه عليه وسلم يقول : من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة . فكأنما كانت بالناس عقل تنشطت ، فخرج بهم وخالد على الميمنة ، وقيس على الميسرة ، وأبو عبيدة في القلب وعلى باب المدينة معاذ بن جبل ، فاجتلدوا بها ، فإنهم كذلك إذ قدم القعقاع متعجلا في مائة ، فانهزم أهل قنسرين بالروم ، فاجتمع القلب والميمنة على قلبهم وقد انكسر أحد جناحيه ، فما أفلت منهم مخبر ، وذهبت الميسرة على وجهها ، وآخر من أصيب منهم بمرج الديباج انتهوا إليه فكسروا سلاحهم وألقوا بلامهم تخففا ، فأصيبوا وتغنموا .