سليمان بن موسى الكلاعي
180
الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله ( ص ) والثلاثة الخلفا
شريف بئيس مجرب ، وذلك في زمان الشرك والجاهلية الجهلاء ، فاجعل بأسك وشدتك ونجدتك اليوم في الإسلام على من كفر بالله وعبد غيره ، فقد جعل الله فيه الأجر العظيم ، والعز للمسلمين . فقال : إن بقيت فسيبلغك من حيطتى على المسلم ، وجهدى على الكافر ما يسرك ويرضيك ، فقال أبو بكر رحمه الله : فافعل ذلك ، فلما بلغته مبارزته البطريقين بالجابية وقتله إياهما ، قال : صدق قيس ووفى وبر . وعن هاشم بن عتبة بن أبي وقاص قال « 1 » : لما مضت جنود أبى بكر إلى الشام بلغ ذلك هرقل ملك الروم ، وهو بفلسطين ، وقيل له : قد أتتك العرب وجمعت لك جموعا عظيمة ، وهم يزعمون أن نبيهم الذي بعث إليهم أخبرهم أنهم يظهرون على أهل هذه البلاد ، وقد جاؤوك وهم لا يشكون أن هذا يكون ، وجاؤك بأبنائهم ونسائهم تصديقا لمقالة نبيهم ، يقولون : لو دخلناها وافتتحناها نزلناها بأولادنا ونسائنا . فقال هرقل : ذلك أشد لشوكتهم ، إذا قاتل القوم على تصديق ويقين فما أشد على من كابدهم أن يزيلهم أو يصدهم . قال : فجمع إليه أهل البلاد وأشراف الروم ، ومن كان على دينه من العرب ، فقال : يا أهل هذا الدين ، إن الله قد كان إليكم محسنا ، وكان لدينكم هذا معزا ، وله ناصرا على الأمم الخالية ، وعلى كسرى والمجوس ، وعلى الترك الذين لا يعلمون ، وعلى من سواهم من الأمم كلها ، وذلك أنكم كنتم تعملون بكتاب ربكم وسنة نبيكم الذي كان أمره رشدا وفعله هدى ، فلما بدلتم وغيرتم أطمع ذلك فيكم قوما ، والله ما كنا نعبأ بهم ولا نخاف أن نبتلى بهم ، وقد ساروا إليكم حفاة عراة جياعا ، اضطرهم إلى بلادكم قحط المطر وجدوبة الأرض وسوء الحال ، فسيروا إليهم ، فقاتلوهم عن دينكم وعن بلادكم وعن أبنائكم ونسائكم ، وأنا شاخص عنكم وممدكم بالخيول والرجال ، وقد أمرت عليكم أمراء ، فاسمعوا لهم وأطيعوا ، ثم خرج حتى أتى دمشق فقام مثل هذا المقام ، وقال فيها مثل هذا المقال ، ثم خرج حتى أتى حمص ، ففعل مثل ذلك ، ثم أتى أنطاكية ، فأقام بها وبعث إلى الروم ، فحشدهم إليه ، فجاءه منهم ما لا يحصى عدده ، ونفر إليه مقاتلتهم وشبابهم وأتباعهم ، وأعظموا دخول العرب عليهم ، وخافوا أن يسلبوا ملكهم . وأقبل أبو عبيدة حتى مروا بوادي القرى « 2 » ، ثم أخذ على الحجر أرض صالح النبي
--> ( 1 ) راجع : ما ذكره ابن الجوزي في المنتظم في هذا الخبر ( 4 / 117 ) ، والطبري في تاريخه 3 / 392 ) . ( 2 ) وادى القرى : من أعمال المدينة . انظر : الروض المعطار ( 602 ) ، المغانم المطابة ( 423 ) ، رحلة الناصري ( 310 ) ، صبح الأعشى ( 4 / 292 ) .