سليمان بن موسى الكلاعي

171

الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله ( ص ) والثلاثة الخلفا

لأبى بكر : أما إنك كنت وليتني أمر الناس ، وأنت لي غير متهم ، ورأيك فىّ حسن حتى خوفت منى أمرا ، والله لأن أخر من رأس حالق أو تخطفنى الطير في الهواء بين الأرض والسماء أحب إلىّ من أن يكون ما ظن ، والله ما أنا في الإمارة براغب ، ولا على البقاء في الدنيا بحريص ، وإني أشهدكم أنى وأخوتى وفتيانى ومن أطاعني من أهلي جيش في سبيل الله نقاتل المشركين أبدا حتى يهلكهم الله أو نموت ، لا نريد به حمد الناس ولا جزاءهم ، فقال له الناس خيرا ، ودعوا له به ، وقال أبو بكر رحمه الله : أوتيت في نفسي وولدي ما أحب لك ولإخوتك ، والله إني لأرجو أن تكون من نصحاء الله في عباده ، وإقامة كتابه ، واتباع سنة رسوله « 1 » . فخرج هو وإخوته وغلمته ومن معه ، فكان أول خلق الله عسكر ، ثم خرج الناس إلى معسكرهم من عشرة وعشرين وثلاثين وأربعين وخمسين ومائة في كل يوم حتى اجتمع الناس وكثروا ، فخرج أبو بكر ذات يوم ، ومعه من الصحابة كثير حتى انتهى إلى عسكرهم فرأى عدة حسنة ، فلم يرض كثرتها للروم ، فقال لأصحابه : ماذا ترون في هؤلاء ؟ أترون أن نشخصهم إلى الشام في هذه العدة ؟ فقال له عمر : ما أرضى بهذه العدة لجموع بنى الأصفر ، فأقبل على أصحابه فقال : ماذا ترون ؟ فقالوا : ونحن أيضا ، نرى ما رأى عمر ، فقال أبو بكر : أفلا نكتب كتابا إلى أهل اليمن ندعوهم إلى الجهاد ونرغبهم في ثوابه ؟ فرأى ذلك جميع أصحابه ، فقالوا : نعم ما رأيت ، فافعل . فكتب : بسم الله الرحمن الرحيم ، من خليفة رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، إلى من قرئ عليه كتابي هذا من المؤمنين والمسلمين من أهل اليمن ، سلام عليكم ، فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو ، أما بعد . فإن الله تبارك وتعالى ، كتب على المسلمين الجهاد ، وأمرهم أن ينفروا فيه خفافا وثقالا ، فقال جل ثناؤه : وجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [ الصف : 9 ] ، فالجهاد فريضة مفروضة ، وثوابه عند الله عظيم ، وقد استنفرنا من قبلنا من المسلمين إلى جهاد الروم بالشام ، وقد سارعوا إلى ذلك ، وعسكروا وخرجوا ، وحسنت نيتهم وعظمت حسبتهم ، فسارعوا عباد الله إلى فريضة ربكم وسنة نبيكم ، وإلى إحدى الحسنيين : إما الشهادة وإما الفتح والغنيمة ، إن الله جل ذكره ، لم يرض من عباده بالقول دون العمل ، ولا بترك الجهاد فيه أهل عداوته حتى يدينوا بالحق ويقروا بحكم الكتاب ، حفظ الله لكم دينكم وهدى قلوبكم ، وزكى أعمالكم ، ورزقكم أجر المجاهدين الصابرين ، والسلام عليكم .

--> ( 1 ) انظر : المنتظم لابن الجوزي ( 4 / 116 ) ، تاريخ الطبري ( 3 / 387 ، 388 ) .