سليمان بن موسى الكلاعي

160

الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله ( ص ) والثلاثة الخلفا

أيها الناس ، إن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم توفى ، فمن كان يعبد محمدا فإن محمدا قد توفى ، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ، وقد اجتمع المسلمون على أفضلهم من أنفسهم ولم يكن بينهم اختلاف في أبى بكر بن أبي قحافة ، وقد كان النبي صلى اللّه عليه وسلم ، يأمره في مرضه أن يصلى بالناس ، فبايعوا أيها الناس ، ولا تجعلوا على أنفسكم سبيلا . فقال الأشعث بن قيس : إذا اجتمع الناس ، فما أنا إلا كأحدهم ، ونكص عن التقدم إلى البيعة ، فقال امرؤ القيس بن عابس الكندي : أنشدك الله يا أشعث ، ووفادتك على النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وإسلامك أن تنقضه اليوم ، والله ليقومن بهذا الأمر من بعده من يقتل من خالفه ، فإياك إياك ، أبق على نفسك فإنك إن تقدمت تقدم الناس معك ، وإن تأخرت افترقوا واختلفوا ، فأبى الأشعث ، وقال : قد رجعت العرب إلى ما كانت الآباء تعبد ، ونحن أقصى العرب دارا من أبى بكر ، أيبعث أبو بكر إلينا الجيوش ؟ قال : أي والله ، وأحرى أن لا يدعك عامل رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ترجع إلى الكفر . قال الأشعث : من قال زياد بن لبيد ، فتضاحك ، ثم قال : أما يرضى زياد أن أجيره ، فقال امرؤ القيس : سترى ، ثم قام الأشعث ، فخرج من المسجد إلى منزله ، وقد أظهر ما أظهره من الكلام القبيح من غير أن يكون نطق بالردة ، ووقف يتربص ، وقال : نقف أموالنا بأيدينا ولا ندفعها ، ونكون من آخر الناس ، وبايع زياد بن لبيد لأبى بكر من بعد الظهر إلى أن قامت العصر ، فصلى بالناس العصر ، ثم انصرف إلى بيته ، ثم غدا على الصدقة من الغد كما كان قبل ، وهو أقوى ما كان نفسا ، وأشده لسانا ، فبينا هو يصدق إلى أن أخذ قلوصا في الصدقة من فتى من كندة ، فلما أمر بها زياد تعقل وتوسم بميسم السلطان ، وكان الميسم لله ، أتى الفتى ، فصاح : يا حارثة بن سراقة « 1 » ، يا أبا معدى كرب ، عقلت البكرة ، فأتى حارثة إلى زياد ، فقال : أطلق للفتى بكرته ، فأبى زياد ، فقال : قد عقلتها ووسمتها بميسم السلطان ، فقال حارثة : أطلقها أيها الرجل طائعا ، خير من أن تطلقها وأنت كاره ، قال زياد : لا والله لا أطلقها ولا نعمت عين . فقام حارثة فحل عقالها وضرب على جنبها ، فخرجت القلوص تعدو إلى الأنهار ، وجعل حارثة يقول : أطعنا رسول الله ما كان وسطنا * فيا قوم ما شأني وشأن أبى بكر أيورثها بكرا إذا مات بعده * فتلك إذا والله قاصمة الظهر

--> ( 1 ) انظر ترجمته في : الاستيعاب الترجمة رقم ( 459 ) ، الإصابة الترجمة رقم ( 1529 ) ، أسد الغابة الترجمة رقم ( 993 ) ، تجريد أسماء الصحابة ( 1 / 112 ) ، الجرح والتعديل ( 1 / 145 ) ، شذرات الذهب ( 1 / 9 ) ، تصحيفات المحدثين ( 976 ) .