محمد باقر الملكي الميانجي

9

مناهج البيان في تفسير القرآن

قوله تعالى : « إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً » . الظاهر من الآية الشريفة أنّ الكعبة المكّرمة أوّل بيت ، وأقدم مسجد وضع للنّاس للعبادة وإظهار شعائر اللّه . وقد كان معبدا للأبرار ، ومطافا للأطهار ولم يكن في الدّنيا من المساجد والكنائس والهياكل وبيوت النار اسم ولا رسم . فالآية الكريمة بإطلاق لفظ « أَوَّلَ » دالّة على أنّ الكعبة المكرّمة هي أوّل بيت وضع للناس من غير اختصاص بزمان دون زمان . فعلى هذا يشكل الحكم بكون إبراهيم عليه السّلام أوّل من بنى الكعبة . فإنّ الظاهر من قوله تعالى : « رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ . . . » [ إبراهيم ( 14 ) / 37 ] . وكذلك يظهر من الروايات الواردة في ذلك أنّ الكعبة قد كانت قبل إبراهيم قبلة صلّى إليها الأنبياء العظام والرسل الكرام ، فأفنتها يد الحوادث وجدّد اللّه بناءها على يدي إبراهيم عليه السّلام ، وهو الذي رفع قواعدها التي كانت تحت التراب وكشفها وبنى عليها البيت . وقد فصّلنا البحث في ذلك في تفسير قوله تعالى : « فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ . . . » [ قريش ( 106 ) / 3 ] . وقوله تعالى : « قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ » [ البقرة ( 2 ) / 144 ] . قال الرازي في تفسيره 8 / 141 : في اتّصال هذه الآية بما قبلها وجوه : الأوّل أنّ المراد منه الجواب عن شبهة أخرى من شبه اليهود في إنكار نبوّة محمّد عليه