محمد باقر الملكي الميانجي
51
مناهج البيان في تفسير القرآن
الظاهر أنّه توبيخ وذمّ لهم . فهم لشناعة أعمالهم أولى بالموت ، فحقّ عليهم أن يموتوا . فقد تحقّقت منهم العداوة والبغضاء . ويظهرون الحسد والغيظ إذا خلوا إلى أنفسهم ولا يعقلون أنّ اللّه عليم بذات الصدور لا يخفى عليه ما يسرونه من الغيظ والحسد عند لقاء المؤمنين وما يعلنونه منه عند الخلوة . قوله تعالى : « إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها » . قال في المنار 4 / 91 : ولعلّ اختيار المسّ في جانب الحسنة ، والإصابة في جانب السيئة للإشعار بأن أولئك الكافرين يسوؤهم ما يصيب المسلمين من خير وإن قلّ - بأن كان لا يزيد على ما يمسّ باليد - وإنّما يفرحون بالسيّئة إذا أصابت المسلمين إصابة يشقّ احتمالها . قوله تعالى : « وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً » . أي : إن تصبروا على عدم اتّخاذهم بطانة وتتّقوا من كيدهم لا يمكن لهم إضراركم . ويحتمل أن يكون المراد من الصبر هو الصبر في مقابل جميع وصاياه تعالى وامتثال جميع أوامره سبحانه ، ومن التقوى هو الاتّقاء عن محارم اللّه . قوله تعالى : « إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ » . ( 120 ) الظاهر من الإحاطة في المقام هي إحاطة العلم لا إحاطة القدرة . وإن كان هو تعالى محيطا بها بقدرته ، وممجّدا بها أيضا إلّا أنّ الجملة في مقام التعليل لقوله تعالى : « إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً » ، فإنّه سبحانه لشمول علمه وإحاطته لأعمال كلا الفريقين في مقام معارضة كيد أحدهما وبغيه وصبر الآخر وتقواه ، يعرف الغالب والمغلوب ، والمفلح والخائب . ويمكن أن تفسّر بالقدرة أيضا فإنّ كيدهم ومكرهم لا يضرّ المتّقين والصابرين إلّا بإذنه تعالى وتقديره وإرادته إلى أن يأتي قضاؤه الحكيم وأمره العدل بالنسبة إلى اليهود الكيّادين . ويستشعر من الآية وعد النصرة منه تعالى والكفاية والأمان منه سبحانه من كيدهم وإضرارهم للصابرين والمتّقين .