محمد باقر الملكي الميانجي
41
مناهج البيان في تفسير القرآن
خيرا لهم ، لا أنّهم لو كانوا مؤمنين ومعتصمين بما كان في أديانهم قبل الإسلام ، فإنّ منهم أهل إنصاف مؤمن بدينه ، وبما أتت به كتبهم ، وأمر به أنبياؤهم ، ولكنّ أكثرهم فاسقون وخارجون عن طاعة أوليائهم وأحكام دينهم . قوله تعالى : « لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ » . ( 111 ) إخبار منه تعالى أنّ اليهود مع شدّة غيظهم وبغضهم للمسلمين وكيدهم لهم ، وتماديهم في الاستمرار بكلّ ما يقدرون ، لن يضرّوهم أبدا إلّا أذى للمسلمين ؛ وهم قول السّيّئ والمكروه . وبشّر اللّه تعالى المؤمنين أنّهم إن يقاتلوكم ينهزموا . ثمّ أخبر بأنّهم لا ينصرون عليكم . وهذا إخبار بالغيب وكان كما أخبره اللّه تعالى . فإنّ اللّه استأصلهم بسيوف المسلمين من البلاد خاصّة في المدينة وما حولها ، وكذلك من العراق ومصر ، فصاروا أذلّاء مستذلّين . وقوله تعالى : « يُوَلُّوكُمُ » مجزوم ، جواب للشرط بخلاف قوله تعالى : « لا يُنْصَرُونَ » عليكم بعد ذلك ، أو ثمّ إنّهم لا ينصرون عليكم قطّ ما داموا على فسقهم ، ودمتم على خيريّتكم تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون باللّه . أقول : هذا وإن كان حقّا في بابه إلّا أنّه ليس تفسيرا للآية . فإنّ المسلمين إذا لم يعملوا بأحكام الإسلام صاروا أذلّاء يتلاعب بحقوقهم فراعنة الأرض . وهذه سنة اللّه في عباده وبلاده . قوله تعالى : « ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ » . عبّر تعالى عن لزوم الهوان عليهم بالضرب . والذّلّة - بالكسر - هو الهوان والخذلان ، كناية عن المقهوريّة . فالمعنى : هم المقهورون أين ما وجدوا إلّا بحبل وأمان من اللّه تعالى . وظاهر أنّ هذا الأمان تشريعيّ لا تكوينيّ فإنّ الأمن التكوينيّ يدور مدار الاعتصام التكوينيّ باللّه وبحبله المتين . فإنّهم إذا اعتصموا بحبل من اللّه أي إلى حكم من أحكام الكتاب يحفظون به دماءهم وأعراضهم