محمد باقر الملكي الميانجي
95
مناهج البيان في تفسير القرآن
أراد التخلّص من مطالبة اللّه - سبحانه - من مظالم الناس لكان فيه ذهاب أمواله الّتي جمعها بالباطل ، فيصير مفتقرا غايته ، وضلّ سعيه وبركة عمره ، وهو في مدّة عمره بين المسؤوليّة والمحكوميّة بأموال الناس وخوف الفقر . ولو علم وأفاق من سكرته لرأى أنّه ممحوق ومغبون ، وأيّ ممحوق أشدّ محقا ممّن أبطل سعادته وحياته السعيدة في الجنّة الخالدة المقرونة بالبهجة والصفا . فلا محالة يكون المراد من المحق ، التشريعيّ لا المحق التكوينيّ الاجتماعي أو الفردي في هذه الأيّام القلائل ، فإنّ من الجائز أن يستدرج اللّه - سبحانه - الآكلين للرّبا بإملاء النعم وجعله فتنة للمستضعفين . والشاهد على ذلك أنّ الصدقة مع ما فيها من الميمنة والبركة في الدّنيا مطلوبة ومرجوّة من حيث خيراتها وبركاتها في الآخرة ، وهي من فضل اللّه وإحسانه غالبا ، فالصدقات تجارة رابية رابحة للمتصدّقين سواء نالوا بها خير الدّنيا أم لا ، فإنّهم لا يتصدّقون بمحض نيل الدنيا منه - سبحانه - بل لغرض أعلى وأجلّ من الدّنيا وما فيها ، واللّه - سبحانه - يكافئهم بفضله وإحسانه خير الدنيا وكرامة الآخرة ، وماله في الآخرة أعلى وأنور . قوله تعالى : « وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ » . أي يربي الصدقات وينميها ويرفعها بفضله وكرمه فإنّه - تعالى - يضاعف أجرها سبعمائة ، وما فوقها وما دونها كيف يشاء ، وينميها ويربيها من حيث نفس الصدقات ويجعلها عظيمة وكبيرة بقدر ما يشاء ويرضى ، فكيف يكون قليلا ما يقبله اللّه بفضله وكرمه . في البحار 96 / 122 ، عن أمالي الطوسي بإسناده عن الحارث عن عليّ عليه السلام عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله قال : كلّ معروف صدقة إلى غنيّ أو فقير ، فتصدّقوا ولو بشقّ تمرة ، واتّقوا النّار ولو بشقّ التمرة ، فإنّ اللّه - عزّ وجلّ - يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله حتّى يوفّيه إيّاها يوم القيامة ، حتّى يكون أعظم من الجبل العظيم .