محمد باقر الملكي الميانجي

86

مناهج البيان في تفسير القرآن

وجب أن يرى ويشاهد . . . ولأنّه لو كان جسما كثيفا فكيف يمكنه أن يدخل في باطن بدن الإنسان . وأمّا إن كان جسما لطيفا كالهواء فمثل هذا يمتنع أن يكون فيه صلابة وقوّة ، فيمتنع أن يكون قادرا على أن يصرع الإنسان ويقتله . . . الرابع : أنّ الشيطان لو قدر على ذلك فلم لا يصرع جميع المؤمنين ؟ ! ولم لا يخبّطهم مع شدّة عداوته لأهل الإيمان ؟ ! ولم لا يغصب أموالهم ويفسد أحوالهم ويفشي أسرارهم ويزيل عقولهم ؟ ! [ الشيطان ومسّه ] أقول : المسلّم من الآية أنّ الخبط والصرع والجنون تحصل من مسّ الشيطان ، ولا دلالة في الآية الكريمة على أنّ كلّ جنون وخبط من مسّ الشيطان . وقد حقّق في محلّه أنّ تسلّط الشيطان على أولاد آدم ليس ممّا تستحيله سنّة العادة والطبيعة . والمنكرون إنّما أنكروه من ناحية إنكار أصل الشيطان ، بمعنى عدم وجود مخلوق ناريّ ماديّ شرّير يعاند اللّه ويكابره ، وقد أنظره اللّه لحكمة معلومة عنده - سبحانه - إلى اليوم الوقت المعلوم ، فإنّه لا فرق بينه وبين المتكبّرين في الأرض الّذين يستذلّون عباد اللّه ، ويقتلون أولياءه ، ويفسدون في الأرض بإغواء المستضعفين بالتطميع والتهديد ، وإضلالهم بكلّ جهدهم وسعيهم بالشيطنة والإنكار هذا بالنسبة إلى إنكار تسلّط الشيطان على بني آدم ، أمّا بالنسبة إلى إنكار أصل الشيطان الماديّ الناريّ اللّطيف ، فليس للمنكرين برهان إلّا الاستبعاد وعدم نيلهم بهذه الحقيقة . وبديهي أنّ الشياطين المردة ممنوعون ومحجوبون بسلطانه - سبحانه - عن إيذاء أولاد آدم وإضرارهم ، فهم في عصمة اللّه ومنعته من الشياطين ، فلا يتمكّنون من إيذاء أحد إلّا بإذن من اللّه وقضاء وقدر منه - سبحانه - مثل سائر الأمراض الطبيعيّة والحوادث اليوميّة ، فافهم ذلك ، واعلم أنّ الشيطان حيث إنّه أمر ماديّ لطيف فتسلّطه على بني آدم ، إنّما هو أمر طبيعي ليس خارقا للأسباب والعلل العاديّة والطبيعيّة . قال في الكشاف 1 / 320 : « إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ » أي المصروع . وتخبّط الشيطان من زعمات العرب ، يزعمون أنّ الشيطان يخبط الإنسان فيصرع ، والخبط الضرب على غير استواء كخبط العشواء ، فورد على ما كانوا