محمد باقر الملكي الميانجي
81
مناهج البيان في تفسير القرآن
مختلفة ؛ ليكون كلّ من وردها قد حصل على شغل . وقد ورد في بعض الأخبار أنّ عليّا عليه السلام كان يستقرض صاعا أو صاعين من شعير ، وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله يوم حفر الخندق جائعا قد شدّ على بطنه حجرا ، وأضافهم جابر بن عبد اللّه هذا اليوم بذبح عناق وخبز صاع شعير . قوله تعالى : « لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ » . إنّهم في محاصرة ومنع من التصرّف في أموالهم ، وإنّما ابتلوا بذلك وأصيبوا به في سبيل اللّه ، فإنّهم لم يخرجوا من ديارهم وأموالهم بطرا ، بل أخرجهم الكفّار لأنّهم أذعنوا بأنّ اللّه هو الحقّ وحده لا شريك له . وليس المراد من عدم استطاعتهم الضرب في الأرض أنّهم كانوا عاجزين عن المشيء والسعي لطلب المعاش ، كيف وهم كانوا يخرجون إلى الجهاد وهو أشقّ الأعمال . وليس المراد أنّه كان يحرم عليهم ، أو يكره الخروج إلى المعاش شرعا ، بل المراد أنّهم لا يضربون في الأرض ؛ لعدم تمكنهم ممّا يساعدهم في ذلك كالأموال والصناعات وأدوات الزراعة وتوفّر الماء والبذر ، حتّى أنزل اللّه عليهم نعمة فصاروا أمراء وحكّاما بعد ما كانوا في ضيق وإملاق . ثمّ لا يخفى أنّ القضيّة ليست شخصيّة منحصرة بفقراء الصفّة ، بل هي قضيّة حقيقيّة سيقت لبيان نوع خاصّ من مصارف الصدقات ؛ وهم الفقراء الّذين أحصروا ومنعوا لعوامل شتّى من التصرّف في أموالهم ، الفاقدون لجميع وسائل الارتزاق الموهوبة من اللّه . وأصحاب الصفّة من مصاديق هذه القضيّة ، وتنطبق عليهم وعلى من جرى مجراهم . وكذلك تشمل الحصر الشرعي ، مثل طلّاب العلوم الدينيّة الّذين يصلحون أن يكونوا حاملين للفقه والمعارف الربوبيّة ، الّتي جاء بها القرآن الكريم ، ولا يكونوا عالة على الدّين وأهله ، ولا ناصرين لأعداء الدّين ، فهؤلاء أيضا من مصاديق هذه الآية ؛ لأنّهم أيضا لا يستطيون الضرب في الأرض ، لأجل صرف أوقاتهم في طلب المعارف الإلهيّة والعلوم الربوبيّة . قوله تعالى : « يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ » .