محمد باقر الملكي الميانجي

79

مناهج البيان في تفسير القرآن

عليهم فهو الوجه الّذي لا يهلك ، ثمّ قرأ : « مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ » . [ النساء 4 / 80 ] فالمتعيّن بحسب هذه الآيات والروايات ، وغيرها من الروايات الواردة في باب النيّة والإخلاص ، أنّ الوجه فعل المكلّف وقصده وما يتوجّه به إلى اللّه تعالى ، والعناية في إضافة الوجه بهذا المعنى إلى اللّه - تعالى - لأنّه طريق إلى اللّه سبحانه ، وحيث إنّ الإيمان باللّه وتوحيده وبرسوله وأوصيائه بعده ، من أفضل ما يتوجّه به إلى اللّه ، فالإيمان بالرسالة والإمامة والتديّن بهما والعمل بالطاعة هو وجه اللّه الباقي . وهذا كلّه مرضات اللّه سبحانه . قوله تعالى : « وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ » . ( 272 ) لمّا ذكر اللّه - تعالى - أنّ الإنفاق في سبيل اللّه وابتغاء وجه اللّه الكريم عائد إليهم ، وإنفاق لأنفسهم بالحقيقة وليس إنفاقا للغير حتّى يضايقوا فيه ، أو ينفقوه من خبث المال وأردئه أو يشوّهوه بالمنّ والأذى ، صرّح أنّه سيوفّيه إليهم بتمامه وكماله ، فلا تضيع لديه الودائع ولا يضيّع إحسان المحسنين ، ولا يظلمهم فيما استودعوه عنده سبحانه . فتبيّن الفرق بين صدر الآية وذيلها ، وأنّه ليس من التكرار والتأكيد ، وأنّ صدرها لإيجاد التشويق لأصل الإنفاق ، وذيلها لتحويل الإنفاق ، وردّه يوم الفاقة والحاجة إلى المنفقين . قوله تعالى : « لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ » . الجارّ متعلّق بمحذوف . والحصر : المنع . قال في مجمع البيان 2 / 387 : قال أبو جعفر عليه السلام : نزلت الآية في أصحاب الصفّة . وكذلك رواه الكلبي عن ابن عباس ، وهم نحو من أربعمائة رجل لم يكن لهم مساكن بالمدينة ، ولا عشائر يأوون إليهم ، فجعلوا أنفسهم في المسجد ، وقالوا : نخرج في كلّ سريّة يبعثها رسول اللّه ، فحثّ اللّه النّاس عليهم ، وكان الرّجل إذا أكل وعنده فضل أتاهم به إذا أمسى . واضطربت الكلمات في معنى حصرهم ، وعدم استطاعتهم الخروج إلى المعاش بالتجارة أو الحرث أو حرفة تخصّ شأن كلّ واحد منهم .