محمد باقر الملكي الميانجي

71

مناهج البيان في تفسير القرآن

العقوبة عنهم بشفاعة الشفعاء لكان أولئك أنصارا لهم وذلك يبطل قوله تعالى : « وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ » . قال في الميزان 2 / 396 : وفي هذه الجملة أعني قوله : « وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ » دلالة ، أوّلا على أنّ المراد بالظلم هو ظلم الفقراء والمساكين في الإمساك عن الإنفاق عليهم ، وحبس حقوقهم الماليّة ، لا الظلم بمعنى مطلق المعصية ، فإنّ في مطلق المعصية أنصارا ومكفّرات وشفعاء كالتوبة ، والاجتناب عن الكبائر ، وشفعاء يوم القيامة ، إذا كان من حقوق اللّه تعالى . قال تعالى : « لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً - إلى أن قال - وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ » . [ الزمر ( 39 ) / 53 ، 54 ] وقال تعالى : « إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ » . [ النساء ( 4 ) / 31 ] وقال تعالى : « وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى » . [ الأنبياء ( 21 ) / 28 ] . . . وثانيا أنّ هذا الظلم وهو ترك الإنفاق لا يقبل التكفير ولو كان من الصغائر لقبله فهو من الكبائر . . . وأنّه لا يقبل الشفاعة يوم القيامة كما يدلّ عليه قوله تعالى : « إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَساءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ * ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ - إلى أن قال - : فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ » . [ المدّثّر ( 74 ) / 39 - 48 ] . . . ورابعا أنّ الامتناع من أصل إنفاق المال على الفقراء مع وجودهم واحتياجهم من الكبائر الموبقة ، وقد عدّ - تعالى - الامتناع عن بعض أقسامه كالزكاة شركا باللّه وكفرا بالآخرة . قال تعالى : « وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ » . [ فصّلت ( 41 ) / 6 و 7 ] أقول : لا يخفى ما في استدلاله بالآيات على مقصوده : أمّا قوله تعالى : « قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ » . [ الزّمر ( 39 ) / 53 و 54 ] ، فالآية الكريمة تنهى جميع المسرفين عن القنوط ، وتأمرهم بالإنابة إليه ، فإنّ القنوط من رحمة اللّه - سبحانه - حرام بحكم العقل ، والإنابة إليه ، واجب بالبداهة . وكذا الإسلام أيضا ، فالآية الكريمة ليست في بيان تفصيل المعاصي والعاصين من حيث