محمد باقر الملكي الميانجي
51
مناهج البيان في تفسير القرآن
وقوما وصفوه بالرجلين فقالوا : وضع رجله على صخرة بيت المقدّس فمنها ارتقى إلى السماء . وقوما وصفوه بالأنامل فقالوا : إنّ محمدا صلّى اللّه عليه وآله قال : إنّي وجدت برد أنامله على قلبي ، فلمثل هذه الصفات قال : « رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ » . [ الأنبياء ( 21 ) / 22 ] يقول : ربّ المثل الأعلى عمّا به مثّلوه . وللّه المثل الأعلى الّذي لا يشبهه شيء ، ولا يوصف ولا يتوهّم ، فذلك المثل الأعلى . ووصف الّذين لم يؤتوا من اللّه فوائد العلم فوصفوا ربّهم بأدنى الأمثال ، وشبّهوه بالمتشابه منهم فيما جهلوا به فلذلك قال : « وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا » . [ الإسراء ( 17 ) / 85 ] فليس له شبه ولا مثل ولا عدل ، وله الأسماء الحسنى الّتي لا يسمّى بها غيره ، وهي الّتي وصفها في الكتاب فقال : « فَادْعُوهُ بِها وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ » . [ الأعراف ( 7 ) / 180 ] جهلا بغير علم ، فالّذي يلحد في أسمائه بغير علم يشرك وهو لا يعلم ، ويكفر به وهو يظنّ أنّه يحسن فلذلك قال : « وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ » . [ يوسف ( 12 ) / 106 ] فهم الّذين يلحدون في أسمائه بغير علم فيضعونها غير مواضعها . . . أقول : المثل في هذه الآيات كما ترى بمعنى الوصف والنعت ، فمثله - تعالى - هو القدس والتنزّه عن التوصيف والتشبيه ، وعن كلّ ما قيل فيه أو يقال . وقوله تعالى : « الَّذِينَ » لا إطلاق فيه لغير المؤمنين ، بداهة عدم تساوي المؤمن والمسلم ، وثبوت التفاضل بينهما ، فإن فضل المؤمن على المسلم كفضل المسجد على الحرم . ومرادنا بالمسلم ليس من كان فاقدا ولاية الولاة الحقّة من آل الرسول صلّى اللّه عليه وآله ، بل الفرق بينهما بحسب المعرفة والرسوخ في الإيقان ، فإنّ الإسلام ما حقن به الدماء وعليه جرت المناكح والمواريث ، والثواب على الإيمان ، وحيث إنّ الثواب والجزاء بفضل اللّه - سبحانه - ولا سيّما المضاعفة ، فلا بدّ من أن يكون الثواب والمضاعفة بحسب درجات الإيمان ، وبحسب درجات الإخلاص والتقوى في النيّة والبصارة والفقاهة فيما أتى من الصالحات .