محمد باقر الملكي الميانجي
36
مناهج البيان في تفسير القرآن
قوله تعالى : « وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً » . الظاهر أنّ العظام عظام المبعوث لا عظام حماره ، فإنّه لا كلام في موت الحمار وإحيائه ، إلّا أنّ المناسب للقرآن ، وأدبه البارع ، ومقامه الشامخ ، أنّ ذكر موت الحمار وإحيائه إنّما هو من حيث الدلالة على طول اللّبث له ، لا لكونه آية للناس ، والآية للناس هو نفس هذا المبعوث . والعناية في إنشاز العظام هي مشاهدة هذا المبعوث عظام نفسه كيف ينشزها اللّه - سبحانه - ويكسوها لحما حتّى قام حيّا وقام حماره أيضا . فإن قيل : إنّ مشاهدة هذا المبعوث إنشاز عظامه متوقّف على بعثه وإحيائه ، وإحياؤه متوقف على إنشاز عظامه ، فلا محالة لا يكون المراد من العظام عظام نفسه ، بل عظام حماره أو موتى أهل القرية . قلت : كلّا فإنّ مشاهدة الإنسان كيفيّة إنشاز عظامه ليس ممّا يستغرب ويستشكل . ولعلّ عدم تعرّض الآية لهذا الحيث من جهة خروجه عن غرض الآية . وقد تقدّم في رواية العيّاشي وعليّ بن إبراهيم أنّ أوّل ما أحياه اللّه - تعالى - من هذا المبعوث هو عيناه ، ولا بأس بالالتزام بذلك . قوله تعالى : « فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ » . ( 259 ) أي بعد ما أقام اللّه له الحجج القيّمة والبراهين الساطعة ، وأراه إحياء نفسه وإحياء حماره عيانا ، علم وتيقّن بصحّة إحياء الموتى فقال : « أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ » . قوله تعالى : « وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى » . الظاهر أنّ الآية عطف على قوله : « أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ » . ويمكن أن تكون للاستيئاف . [ معنى سؤال إبراهيم عليه السلام إحياء الموتى مع إيمانه بذلك ] والخليل عليه السلام مجّد اللّه تبارك وتعالى بالرّبوبيّة ، وسأله أن يريه إحياء الموتى . وقد ذكر المفسّرون وجوها لهذا السؤال ، إلّا أنّ الآية الكريمة نصّت بقوله : « لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي » على وجه السؤال ، على ما سيأتي توضيحه . والمتبادر من الرؤية هو الرؤية بالحسّ والمعاينة بالعين ، فإنّ الحسّ باب من