محمد باقر الملكي الميانجي
32
مناهج البيان في تفسير القرآن
الظاهر أنّ الآية عطف على الآية السابقة : « أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ . . . » ، والكاف اسميّة بمعنى المثل . لم يذكر اللّه - سبحانه - هذا المارّ وهذه القرية وهذا الموت ؛ لأنّها خارجة عن الغرض المسوق له الكلام ، وعن موقع العبرة بالقصّة ، إلّا أنّ الآية صدرا وذيلا تشعر أنّ هذا المارّ كان صدّيقا أو نبيّا ذا كرامة عليه - تعالى - ومستظّلا في ظلّ ولاية اللّه سبحانه ، وقد أكرمه - سبحانه - بإراءته كيفيّة إحياء الموتى وإنشاز العظام ، وهذا من جملة ما سترة اللّه في الغيب المحجوب ، وما جرت سنّته أن يطلع أحدا عليه إلّا من ارتضاه من أصفيائه وأمنائه . وبعد ما تبيّن له وشاهد ما شاهد قال : « أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ » وصار الغيب له شهادة والخبر عيانا ، ولم يقل : « عَلِمْتَ » * لما في ذلك البيان من المسبوقيّة بالجهل والشكّ ما لا يخفى . وقد أكرمه - تعالى - أيضا بالمخاطبة والمكالمة وقال : « كَمْ لَبِثْتَ » والظاهر أنّ القول قول وحي . قول تعالى : « وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها » . قال في لسان العربا 14 / 245 : خوت الدار : تهدّمت وسقطت . . . وفي حديث سهل : فإذا هم بدار خاوية على عروشها ؛ خوى إذا سقط وخلا . وعروشها سقوفها . فالمعنى أنّ هذا الرجل مرّ على قرية وهي واقعة أو ساقطة على عروشها وسقوفها . قوله تعالى : « قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها » . أراد التبصّر والتثبّت والاستطلاع على السرّ المستسرّ تحت حجب الغيوب ، وأن يشاهد الإحياء بعد الموت برأي العين ، فإنّ الاستدلال وإقامة الحجّة والتعبّد بالوحي كلّها حقّ وصدق ، إلّا أنّ مقام الرؤية برأي العين فيما يمكن أن يكون مرئيّا ومحسوسا بالعين أعلى وأجلّ . ومنه يعلم أنّ هذه القصّة غير قصّة أصحاب الكهف . فإنّ قصّة أصحاب الكهف حجّة وآية للنّاس في أمر البعث ، كما أنّ هذه القصّة ورجوع هذا الشخص إلى الدّنيا بعد موته مائة عام حجّة وآية للنّاس ،