محمد باقر الملكي الميانجي
302
مناهج البيان في تفسير القرآن
أي يغفر للتائبين المصلحين ، ويرحمهم برحماته الخاصّة . وفي الإتيان بالجملة الاسميّة دلالة على استمرار الغفران والرحمة . قوله تعالى : « إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ » . ( 90 ) بيان : حيث إنّ من قطعيات الكتاب والسنّة صحّة إسلام كلّ من تاب عن كفره ، وقبول توبة من تاب عن فسقه ، اضطربت كلمات المفسّرين في تفسير الآية . قال في الكشاف 1 / 382 : فإن قلت : قد علم أنّ المرتدّ كيفما ازداد كفرا فإنّه مقبول التوبة إذا تاب ، فما معنى : لن تقبل توبته ؟ قلت : جعلت عبارة عن الموت على الكفر ؛ لأنّ الّذي لا تقبل توبته من الكفّار هو الّذي يموت على الكفر . قال في الجوامع / 63 : يعني اليهود الّذين كفروا بعيسى بعد إيمانهم بموسى ، ثمّ ازدادوا كفرا بكفرهم بمحمّد صلّى اللّه عليه وآله ، أو كفروا برسول اللّه بعد أن كانوا به مؤمنين قبل مبعثه ، ثمّ ازدادوا كفرا بإصرارهم على ذلك وعداوتهم له ونقضهم عهده ، وصدّهم عن الإيمان به ، ولن تقبل توبتهم ؛ لأنّها لا تقع على وجه الإخلاص . . . وقيل لن تقبل توبتهم عند رؤية البأس ، والمعنى : أنّهم لا يتوبون إلّا عند معاينة الموت وماتوا وهم كفّار أي على كفرهم . وقال في آلاء الرحمن / 309 : والظاهر إجماع المسلمين على قبول التوبة الصادقة قبل حضور الموت ، وحينما تكون دواعي الهوى ونزعات النفس الأمّارة تبعثه على القبيح ، يصدّها عقله وتوبته وخوفه من اللّه وتقواه ، فتكون واردة في توبة الذين كفروا بعد إيمانهم عند معاينة الموت . أو ماتوا وهم كفّار ، وفي يوم القيامة يحاولون التوبة . وربما يرشد إلى ذلك العدول عن قوله تعالى : « لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ » إلى قوله : « لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ » الّذي هو نصّ على النفي في المستقبل مع أنّ قبول التوبة مقارن لها ، فيكون في ذلك إشارة إلى أنّ توبتهم المستقبلة المتأخّرة عن حياتهم العادية وآمالهم فيها لن تقبل منهم . أقول : الوجه منحصر بهذا الأخير ، ومحصّله حمل إطلاق التوبة من حيث الموقف والمورد على موقف القيامة والآخرة .