محمد باقر الملكي الميانجي
300
مناهج البيان في تفسير القرآن
ليس الشهادة هذه في مرحلة الأداء ، بل الشهادة في مرحلة التحمّل ، أي عرفوا عرفانا حقيقيّا أنّ الرسول حقّ . قوله تعالى : « وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ » . ( 86 ) فعند أهل الكتاب البشارات لنّبينا صلى اللّه عليه وآله صريحة . وانطباق الصفات المذكورة في الكتابين على النبيّ صلّى اللّه عليه وآله مع ما يشاهدون منه صلّى اللّه عليه وآله من المعجزات والكرامات ، بديهي . وكذلك المشركون والوثنيّون يشاهدون منه صلّى اللّه عليه وآله بيّنات صدقه وحقانيّته ليلا ونهارا في سفره وحضره بما لا يمكن الريب فيه . فالآية قابلة الانطباق لأهل الكتابين ، ولكلّ من آمن وكفر بعد إيمانه كائنا من كان ، وهؤلاء الظالمون لمكان عنادهم وبغيهم على الحقّ الصريح وأهله حريّ أن يسجّل عليهم الحرمان من هداية اللّه والعرفان به ، بل يضرب عليهم الهوان والإبعاد جريا على مقتضى العدل والحكمة ، وحفظا لمناعته وكبريائه من إفاضة الهداية على الظالمين . قوله تعالى : « أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ » . ( 87 ) الظاهر أنّ الآية في مقام الإخبار لا الدّعاء عليهم ، وإن كان إخباره - تعالى - عين الهوان بهم ، وعين نزوله لساحتهم ، فهم المبعدون من ساحته - تعالى - ومن برّه وإحسانه . والمراد من لعنة الملائكة والناس إمّا دعاء منهم عليهم ، أو إظهار لإعراضهم عنه ، وبغضهم وعداوتهم إيّاهم عملا بما يجب على الموحّدين من براءتهم من أعداء اللّه ، وتولّيهم لأولياء اللّه . ثمّ الظاهر أنّ المراد بالنّاس هم المؤمنون الموحّدون فلا إطلاق لغيرهم . قوله تعالى : « خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ » . أي في اللّعنة أو ما يلازمها من العذاب . والظاهر هو الثاني فإنّ قوله : « لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ » بيان لشدّة العذاب المدلول عليه بقوله : « فِيها » . . قوله تعالى : « وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ » . ( 88 ) الإنظار الإهمال أي لا يمهل لهم في العذاب ، بل يؤخذون به على التوالي ،