محمد باقر الملكي الميانجي

27

مناهج البيان في تفسير القرآن

قوله تعالى : « أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ » . بيان : الّذي حاجّ إبراهيم عليه السلام هو نمرود ، وهذا الموقف ، موقف جهاد إبراهيم عليه السلام على الأصنام وعبدتها . وبديهيّ أنّه كان بعد ما تنبّأ ، وتشرّف بمقام الرسالة ، كما أنّ استبصاره واستيضاحه بالنجوم كان بعد نبوّته ورسالته ، وبعد إراءة الملكوت ، وبعد ما كان حاملا لعرش العلم ، وعارفا باسم اللّه الأعظم ، فيكون استدلاله عليه السلام لإبطال ما دار في عصره من عبادة الشمس وغيرها من النجوم . وأمّا نمرود فلم يعلم بعد أنّه كان يعتقد إلها من آلهة قومه ، أو كان يعتقد آلهة قومه مع إله إبراهيم عليه السلام ، والظاهر من محاجّته أنّه كان يحصر الربوبيّة لنفسه ، ويعتقد أنّ الألوهيّة وقف خاصّ لشخصه لا ينالها أحد سواه ، فعلى هذا يكون موقف إبراهيم عليه السلام موقف الجهاد ضد الجاحد لا المشرك . والظاهر أنّ الملوك كانوا في بدو أمرهم يعبدون الأصنام مثل أقوامهم ، وبعد ما تعزّزوا وتجبّروا تفرّدوا بدعوى الألوهيّة كما أنّ هذا ظاهر في فرعون ، فإنّه كان في بدو أمره يدافع عن آلهة قومه ، ويحرّض قومه على دفع موسى عليه السلام ، وبعد ما تعزّز وتجبّر ادّعى الربوبيّة والألوهيّة . قال تعالى : « وَقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ » . [ المؤمن ( 40 ) / 26 ] و « وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَ تَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ . . . » . [ الأعراف ( 7 ) / 127 ] و « قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ » .