محمد باقر الملكي الميانجي
278
مناهج البيان في تفسير القرآن
أمّا بعد فإنّ اللّه بعث محمّدا صلّى اللّه عليه وآله بالحقّ ؛ ليخرج عباده من عبادة عباده إلى عبادته ، ومن عهود عباده إلى عهوده ، ومن طاعة عباده إلى طاعته ، ومن ولاية عباده إلى ولايته ، بشيرا ونذيرا وداعيا إلى اللّه بإذنه . وسراجا منيرا عودا وبدءا ، عذرا ونذرا ، لحكم قد فصّله ، وتفصيل قد أحكمه ، وفرقان قد فرّقه ، وقرآن قد بيّنه ليعلم العباد ربّهم إذ جهلوه ، وليقرّوا به بعد إذ جحدوه ، وليثبتوه بعد إذ أنكروه ، فتجلّى لهم سبحانه في كتابه من غير أن يكونوا رأوه . . . أقول : قوله عليه السلام : ليعلم العباد . . . ، صريح أنّ خروج الناس من عبادة العباد إلى عبادة اللّه و . . . ، إنّما هو في نتيجة المعرفة باللّه والإقرار به وبمقاماته وحقوقه جلّ ثناؤه ، حتّى صارت عبادة الناس للناس متروكة ومهجورة . قوله تعالى : « يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ » . ( 65 ) إنّ إبراهيم عليه السلام كان وجيها ومقبولا عند العامّة حتّى أنّ الوثنيّين ومشركي قريش سمّوا أنفسهم حنفاء ، وادّعوا أنّهم من نحلة إبراهيم عليه السلام وعلى منهاجه . واليهود والنصارى جادلوا في إبراهيم ، فقالت اليهود : إنّ إبراهيم عليه السلام كان يهوديّا . وقالت النصارى : أنّه كان نصرانيّا ، فردّ اللّه عليهم بأنّ التهوّد والتنصّر نشأ بعد التوراة والإنجيل وإبراهيم عليه السلام كان قبلهما بقرون ، فكيف يمكن أن يكون إبراهيم عليه السلام يهوديّا أو نصرانيّا ؟ فما لكم كيف تعقلون وكيف تحكمون ! ؟ قوله تعالى : « ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ » . ( 66 ) الظاهر أنّه كان منهم حجاجا فيما كانوا به عالمين ، وحجاجا فيما ليس لهم به علم .