محمد باقر الملكي الميانجي

268

مناهج البيان في تفسير القرآن

والبيّنات الّتي أكرم اللّه بها رسول صلّى اللّه عليه وآله . فعلى هذا يكون المأمور بالمباهلة هو نفسه صلّى اللّه عليه وآله مع وفد نجران ، ولا معنى لإشراك غيره صلّى اللّه عليه وآله من الصحابة في المباهلة ، كما أنّ المقطوع من شأن نزول الآية بحسب الأدلّة القطعيّة من الروايات والتاريخ أيضا كذلك . ومورد النزول وإن ذكرنا غير مرّة أنّه لا يصلح أن يكون مخصّصا لعموم الآية ، إلّا أنّا ذكرنا أنّ ذلك فيما ذكروا من شأن النزول وليس له دليل يعتمد عليه . وأمّا المقام فالدليل على كون القضيّة شخصيّة خاصّة به صلّى اللّه عليه وآله قطعيّ متواتر فلا يجوز إلغاء الخصوصيّة فيه ، فإنّ وفد نجران حاولوا إنكار نبوّته صلّى اللّه عليه وآله وإبطال دعوته وهو صلّى اللّه عليه وآله أنكر ألوهيّة عيسى ورام إثبات مخلوقيّته . فالمباهلة كانت لتمييز المحقّ من المبطل ، والصادق من الكاذب وجعل اللّعن على الكاذبين . فعلى هذا فاحتمال أنّ يكون المأمور بالمباهلة من قبل اللّه هو رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وغيره من المؤمنين جماعة - كما هو صريح مقالة المنار - ساقط رأسا . إذ من الواضح أنّ التكليف بالمباهلة إنّما هو باعتبار أنّه صلّى اللّه عليه وآله كان عالما بالتعليم الإلهي بحقّانيّة نفسه وبطلان خصمه ، لا عموم المسلمين وفيهم المنافقون والشكّاكون والمستضعفون والمقلّدة ، الّذين لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلتجئوا في الدّين إلى ركن وثيق وبرهان إلهيّ . على أنّا قد ذكرنا أنّ وفد نجران قد قصدوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ومجادلته ومحاربته في أمر رسالته وهو يريد إبطال دعواهم ، فأيّ تماسّ لهم بالمسلمين والمؤمنين . فالحقّ أنّ الآية الكريمة قضيّة شخصيّة راجعة إلى نفس الرسول ، وقد أمر اللّه - تعالى - أن يدعو كلّ من الطرفين أهلهم ؛ ممن هو بمنزلة أنفسهم ونسائهم وأبنائهم ، ولا تتجاوز هذه الدعوة إلى سواهم . فليس هنا عموم كي يطالب بدليل تخصيصه ، فلو لم يكن لأحد إلّا نفس واحدة وبنت واحدة وابنان فلا يضرّ بإتيان لفظ الجمع ، ولو لم يكن لأحد المتخاصمين بنون أو لم يكن إلّا ابن واحد أو بنت واحدة فتعيّن المصداق بالموجود منهم ويكون هو متعلق الدعوة . فتبيّن ممّا ذكرنا أنّه لا سبيل إلى دعوة العموم في نفس المتباهلين