محمد باقر الملكي الميانجي

256

مناهج البيان في تفسير القرآن

كرامة فإنّها سنّة دائمة أو عادية له - تعالى - بخلاف ما إذا كان من غير واسطة . قوله تعالى : « وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ » . قال في المنار 3 / 312 : وأمّا الإخبار ببعض المغيبات فقد أوتيه كثيرون من الأنبياء وممّن دون الأنبياء . أقول : إن أراد من غير الأنبياء الأشخاص العادية من المرتاضين والمنجّمين والكهنة ، والّذين يتمكّنون من تجريد الأرواح ، ويحضرون عند الحادثة ، ويشهدون عين الواقعة فهذه كلّها أعمال عادية ، وبعض منها ممنوع عقلا وشرعا ، وإن أراد من غير الأنبياء والأولياء الأصفياء من أصحاب العصمة فلا نزاع ، وإن كان هذا بعيدا من مذهبه . وكيف كان فالآية والمعجزة إنّما هو العلم بالمغيبات علما عيانيّا خارجا عن سنّة الأسباب والعلل ، وخارجا عن الاختيار ، والعلم الحاصل للمرتاض والساحر مباين سنخا وذاتا مع العلوم المفاضة على الأنبياء ، فبعض أقسام السحر والرياضة والنجوم ليس بعلم ، بل حكم على سبيل الأسباب والمحاسبات الدقيقة العلميّة ، والتجريد والحضور عند الحادثة من قبيل العلم بالمحسوسات ؛ وهو عمل طبيعيّ وعاديّ يتمكّن به من الحضور عند الحادثة ومع ذلك لا يتمكّنون من مشاهدة أكثر الغيوب على ما هو عليه . مثلا لا يتمكّنون من مشاهدة الحقائق البرزخيّة وأحوال الموتى ، وما يجرى عليهم في البرازخ ، ولا يتمكّنون من معاينة الأمور المستقبلة إلّا على سبيل الحكم ، قد يتصادف وقد يتخلّف بخلاف الوجدان النور الصريح والعيان الواقعي ، فإنّه بيد اللّه وإذنه ورأيه ورضاه - سبحانه - بالحقيقة . وهذا النور الصريح وحمل عرش العلم مبائن مع القطع والحكم يؤتي اللّه من يشاء بما يشاء كيف يشاء . قوله تعالى : « إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ » . ( 49 ) ليس الشرط لإفادة ثبوت الآيتيّة بالمؤمنين فقطّ ، بداهة أنّ الآية المعجزة حجّة على المعاند ، ودليل وهداية وإرشاد للمنصف المستهدي ، وتثبيت وتبصّر وزيادة علم وإيمان للمؤمن . . فالآية الكريمة ظاهرة في توبيخهم وتقريعهم ، وإلزامهم الإيمان في مقابل البيّنة والبرهان الإلهيّ . فالأنبياء يتحدّون الناس بالإعجاز ، ولا