محمد باقر الملكي الميانجي
249
مناهج البيان في تفسير القرآن
عند اللّه بالحقيقة ، وظهرت عند دعائه عليه السلام في مقام إثبات نبوّته ، وليست دخالة عيسى عليه السلام فيها إلّا الدعاء والسؤال . قوله تعالى : « أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ » . قال في لسان العرب 10 / 85 : وأصل الخلق التقدير . . . والخلق في كلام العرب : ابتداع الشيء على مثال لم يسبق إليه . وكلّ شيء خلقه اللّه فهو مبتدؤه على غير مثال سبق إليه . . . قال أبو بكر بن الأنباري : الخلق في كلام العرب على وجهين : أحدهما الإنشاء على مثال أبدعه ، والآخر التقدير . وقال في قوله تعالى : « فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ » . [ المؤمنون 23 / 14 ] ، معناه : أحسن المقدّرين . . . وقوله تعالى : « أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ » ، خلقه ، تقديره . ولم يرد أنّه يحدث معدوما . وقال في المنار 3 / 311 : قال الأستاذ الإمام : الخلق : التقدير والترتيب لا الإنشاء والاختراع . ويقرب أن يكون هذا إجماعا من المفسّرين . وفسّره الجلال هنا بالتصوير لأنّه من التقدير . . . وغاية ما يفهم منها أنّ اللّه - تعالى - جعل فيه هذا السرّ ، ولكن لم يقل أنّه خلق بالفعل . ولم يرد عن المعصوم أنّ شيئا من ذلك وقع . وقد جرت سنّة اللّه - تعالى - أن تجري الآيات على أيدي الأنبياء عند طلب قومهم لها ، وجعل الإيمان موقوفا عليها ، فإن كانوا سألوه شيئا من ذلك فقد جاء به . أقول : الظاهر أنّ الطين صار بأمر اللّه لحما وعظما ودما وأعصابا وعروقا ثمّ نفخ فيه الحياة بإذن اللّه . ولم تذكر في الآية المباركة كلمة الإذن في الخلق وفي النفخ فيتوهّم في بادئ الرأي أنّ قوله : أخلق وأنفخ ليسا من الآية والمعجزة ، بل الآية هو قوله تعالى : « فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ » إلّا أنّ التأمّل في الآية يرشدنا إلى أنّ جميع المراتب آية بإذن اللّه ، وقد اكتفى في جميعها بقوله : « بِإِذْنِ اللَّهِ » عند تمام الخلقة . والشاهد على ذلك قوله تعالى : « إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي » .