محمد باقر الملكي الميانجي
229
مناهج البيان في تفسير القرآن
الصيف ، ودخل عليها أخرى فوجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء ، فقال : « أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ . . . » . قوله تعالى : « كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ » . فيه تصريح أنّ المحلّ أو الموقف ليس موقف اشتغالها بخدمة العبّاد والأحبار ، فإنّ اختصاصها بمسكن ومأوى الّذي لا بدّ من الدخول فيه لملاقاتها يدلّ على ذلك . وفي تفسير العيّاشي أيضا ، عن حريز ، عن أحدهما قال : نذرت ما في بطنها للكنيسة أن تخدم العبّاد وليس الذكر كالأنثى في الخدمة . قال : فشبت فكانت تخدمهم وتناولهم حتّى بلغت فأمر زكريّا أن يتّخذ لها حجابا دون العبّاد ، فكان يدخل عليها فيرى عندها ثمرة الشتاء في الصيف وثمرة الصيف في الشتاء فهنالك دعا وسأل ربّه أن يهب له ذكرا فوهب له يحيى . أقول : من هنا يعلم أنّ المراد من المحراب ليس ما هو المتعارف في زماننا . فإنّ ظاهر الآية يدلّ على أنّ المحراب هو المكان المنفرد عن الناس ، وعن المسجد . وقوله تعالى : « وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً » . أي عندها في محرابها المختصّ بها . وذكر تعالى هذا الرزق والتعرّض لشأنه ، ونقل ما جرى بين مريم القدّيسة وزكريا النبيّ عليه السلام يدّلنا - بعد التدبّر والتنقيب - أنّه - تعالى - أكرم هذه الموعودة بالقبول الحسن ، ثمّ ذكر إكرامها بالإنبات الحسن ، ثمّ بكفالة زكريّا النبيّ عليه السلام ، ثمّ بالكرامة الّتي أعجب زكريّا منها وأدهش ، حتّى وقعت موردا للغبطة ، وسأل زكريّا ربّه أن يكرمه بذرّيّة طيّبة كما أكرم مريم بالكرامة الّتي تبهر العقول . ولا يخفى أنّ « رِزْقاً » لمكان كونه نكرة لا إطلاق ولا عموم فيه . والروايات كما تقدّمت متّفقة الدلالة على أنّ الرزق المذكور نوع من الرزق غير العادي ، وتعيين شخص هذا الرزق خارج عن غرض الآية ، ولا يحتاج في إثبات كون الرزق كرامة إلى تعيين شخص الرزق . قال في المنار 3 / 293 : قالوا : كان يجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء