محمد باقر الملكي الميانجي

21

مناهج البيان في تفسير القرآن

للعمل طبق العلم . قال تعالى : « فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً » [ النساء ( 4 ) / 6 ] فإنّ استيناس الرشد إنّما يحصل من تتبّع أعمالهم وأقوالهم ، فيكون الغيّ أيضا نفس الضلال بعناية الإقدام والجري العملي طبق جهله وعماه ، فعلى هذا يكون المتبيّن هو نفس العمل الحقّ من الباطل . قوله تعالى : « فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ » . قال في لسان العرب 15 / 9 : والطاغوت يقع على الواحد والجمع والمذكّر والمؤنّث ، وزنه فعلوت إنّما هو طغيوت قدّمت الياء قبل الغين ، وهي مفتوحة وقبلها فتحة فقلبت ألفا . قال في مجمع البيان 2 / 364 : « فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ » فيه أقوال : أحدها أنّه الشيطان عن مجاهد وقتادة ؛ وهو المرويّ عن أبي عبد اللّه عليه السلام . . . قال في الميزان 2 / 344 : وإنّما قدّم الكفر على الإيمان في قوله : « فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ » ، ليوافق الترتيب الّذي يناسبه الفعل الواقع في الجزء ، أعني الاستمساك بالعروة الوثقى ، لأنّ الاستمساك بشيء إنّما يكون بترك كلّ شيء والأخذ بالعروة ، فهناك ترك ثمّ أخذ فقدّم الكفر وهو ترك على الإيمان وهو أخذ ليوافق ذلك . أقول : لا احتياج في تحقّق عنوان الكفر إلى تقدّم الإيمان ولا في تحقّق عنوان الإيمان إلى تقدّم الكفر ، وإنّما يحتاج تحقّق كلّ واحد منهما إلى تبيّن الحجّة ووضوح المحجّة ، ليهلك من هلك عن بيّنة ويحيا من حيّ عن بيّنة ، وباختيار من المكلّف ومشيئة منه . نعم ، التحلّي والتولّي لا يتحقّقان إلّا بعد التخلية والتبرّي « 1 » ، إلّا أنّ استفادة هذا من ظاهر الآية تحتاج إلى نصّ خارجيّ لا بمجرّد الذوق والاستحسان . والإيمان هو الإذعان بما عرف من الحقّ والتسليم في مقابله ، وليس المراد أنّ مجرد الإذعان للّه من دون اشتراط الأعمال والفرائض وترك الجنايات يضمن

--> ( 1 ) - التحلّي : هو التلبس ، والمراد به ما يساوي الحلول ؛ ويقابله الخلو والتفرغ .