محمد باقر الملكي الميانجي

226

مناهج البيان في تفسير القرآن

« رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ » . [ إبراهيم ( 14 ) / 40 ] قال في الميزان 3 / 187 : والكلام في قولها : « وَذُرِّيَّتَها . . . » من حيث إنّه قول مطلق من غير شرط وقيد ، لا يصحّ التفوّه به في حضرة التخاطب ممّن لا علم له به . . . فليس إلّا أنّها كانت تعلم أن سترزق من عمران ولدا ذكرا صالحا ، ثمّ لمّا حملت وتوفّى عمران ، لم تشكّ أنّ ما في بطنها هو ذلك الولد الموعود ، ثمّ لمّا وضعتها وبان لها خطأ حدسها ، أيقنت أنّها سترزق ذلك الولد من نسل هذه البنت المولودة ، فحوّلت نذرها من الابن إلى البنت ، وسمّتها مريم ( العابدة الخادمة ) . . . أقول : سبيل الدعاء والاستعاذة وتمنّي الخيرات والتوقّي من الآفات سبيل كلّ مسلم موحّد . وهذا بناء على ما هو المشهور من سنّة اللّه الحكيمة القيّمة في إجراء النسل وإبقائه ، فلا يمكن الاستدلال به بدعوى علم الغيب للآباء والأمّهات ، وإن كان بعضهم عالمين بدليل خارج ، إلّا أنّه خارج عن مفاد الآية . ومعنى إعاذتها وذرّيّتها باللّه من الشيطان : أن يحفظها اللّه ويعصمها وذرّيّتها من مكائد الشيطان - وهمزه ولمزه وحبائله كلّها - في حصنه الحصين ، الّذي يدخل فيه من يشاء من عباده المخلصين وأوليائه الصالحين ، وأن لا يجعل في أعمالهم وعلومهم وعقولهم للشيطان سلطانا . والاستعاذة والاعتصام بهذا المعنى هو المسلّم والمتيقّن في لسان الآيات الكريمة والأخبار والأدعية الشريفة . قال مولانا سيّد الساجدين ، زين العابدين عليه السلام في دعائه لولده : وأعذني وذرّيّتي من الشيطان الرجيم . . . وجعلت لنا عدوّا يكيدنا ، سلّطته منّا على ما لم تسلّطنا عليه منه ، أسكنته صدورنا ، وأجريته مجاري دمائنا ، لا يغفل إن غفلنا ، ولا ينسى إن نسينا ، يؤمننا عقابك ويخوّفنا بغيرك . إن هممنا بفاحشة شجّعنا عليها ، وإن هممنا بعمل صالح ثبّطنا عنه ، يتعرّض لنا بالشهوات ، وينصب لنا بالشبهات ، إن وعدنا كذبنا وإن منّانا أخلفنا ، وإلّا تصرف عنّا كيده يضلّنا وإلّا تقنا خباله يستزلّنا . اللّهمّ فاقهر سلطانه عنّا بسلطانك حتّى تحبسه عنّا