محمد باقر الملكي الميانجي

224

مناهج البيان في تفسير القرآن

قال في المنار 3 / 289 : قال تعالى : « وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ » أي بمكانة الأنثى الّتي وضعتها ، وأنّها خير من كثير من الذكور ، ففيه دفع لما يوهمه قولها من خسّة المولودة وانحطاطها عن مرتبة الذكور . وقد بيّن ذلك بقوله : « وَلَيْسَ الذَّكَرُ » الّذي طلبت أو تمنّت « كَالْأُنْثى » الّتي وضعت ، بل هذه الأنثى خير ممّا كانت ترجو من الذكر . أقول : الظاهر من كلامه أنّ قوله تعالى : « وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى » ليس مقولا لقول أمّ مريم بل هو مقول له تعالى . ولكنّ الظاهر بحسب القرائن الموجودة في المقام أنّ المراد من الآية الكريمة هو تفضيل الذكر على الأنثى في الموارد الّتي ذكرناها من حمل أثقال النبوّة وأعباء الرسالة ، والعبادة الدائمة ، وتعقيب ما كانت تأمله من كون الحمل ذكرا إلّا أنّ الفرق بين هذا التعبير المذكور في الآية وبين أن تقول : ليست الأنثى كالذكر ، أنّ في الثاني تصريحا بخسّة المولودة والزهد عنها واليأس عمّا وعد اللّه - سبحانه - إيّاها من إكرامها ، ولكنّ التعبير الأوّل لا يدلّ إلّا على عدم صلاحيّة الأنثى لنذرها ، وأمنيّتها من الرسالة والكرامة . وقد أظهرت تحسّرها وحزنها في مناجاتها ربّها مع التحفّظ الشديد بالأدب اللّائق في المقام بالنسبة إلى مقام الربّ - تبارك وتعالى - وشأن المولود ، ومع التجنّب عن لحن الاعتراض في عين إظهار الرّضا والتسليم بالقضاء النافذ الحكيم . والتفاسير المرويّة عن أئمة أهل البيت حاكية - تصريحا وتلويحا - أنّ هذه الجملة من كلام أمّ مريم في مقام مناجاتها مع ربّها ، منها ما تقدّم عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال : . . . فوضعت أنثى فقالت : « وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى » إنّ البنت لا تكون رسولا . . . ومنها ما في تفسير العيّاشي 1 / 170 ، عن حفص البختري ، عن أبي عبد اللّه عليه السلام في قول اللّه : « إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً » . المحرّر يكون في الكنيسة ولا يخرج منها فلمّا وضعتها أنثى « قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى » ، إنّ الأنثى تحيض فتخرج من المسجد ، والمحرّر لا يخرج من المسجد .