محمد باقر الملكي الميانجي

206

مناهج البيان في تفسير القرآن

يجب تحصيله وتحلية النفس به . وكلّ هذه أمور اختياريّة كسبيّة للإنسان بلا واسطة أو بوسائط خفيّة أو جليّة ، فيجب على الإنسان التخلّص من قيود الميول النفسانيّة ، والتطهّر منها ، وانتخاب ما هو المحمود والمأذون به بحسب العقل والشرع . ولا فرق بين الحبّ وغيره من أفعال الجوانح الّتي هي أصول الأخلاق من الصبر والتواضع ، والكبر والإنكار والإيمان ، والطمع والمناعة والنزاهة وغيرها ؛ وكلّها أفعال اختياريّة للإنسان في مرتبة متقدّمة على أعمال الجوارح ، منبعثة من الشعور والإدراك ، فعلا كان أو انفعالا ؛ ومرجع الانفعال أيضا هو الفعل . فالمشعور به في الجميع ما هو المشهود بالوجدان وهو أنّها أفعال اختياريّة حسنة كانت أو قبيحة ، يقصدها الإنسان لأجل نفسه ، والغاية والغرض يرجع إليه . يقصدها الفاعل لإدراك كمال أو جبران نقيصة ، أو دفعها أو تحصيل نشاط أو غيرها من الأغراض . وليس بين هذه الميول النفسانيّة وبين حبّ العبد للّه - سبحانه - شبه واشتراك . فإنّ متعلّق الحبّ فيها أمور ماديّة أو معنويّة يدكرها الإنسان ويميل إليها ، ويحبّها لآماله وأغراضه بخلاف حبّه تعالى ، فإنّ نفس ذاته - سبحانه - والعلم والعرفان به في عين حقانيّته وظهوره ، لا مناسبة بينه وبين ما سواه . وكذا معنى حبّ اللّه - تعالى - عباده فإنّه لا يمكن الترديد والتشكيك فيه . وما فسّروه به من إيثار الطاعة وغيره فتفسير بلوازمه وآثاره . وتفسير المحبّ بالمطيع والمشتاق مع وضوح معنى وحقيقة كلّ منهما إخلاء للفظ الحبّ عن معناه الحقيقي ، أو التزام بأنّ الطّاعة والشوق والحبّ ألفاظ متردافة . نقل في المنار 3 / 199 ، عن الغزالي أنّه قال في معنى محبّة اللّه للعبد في الإحياء : قد ذكرنا أنّ محبّة اللّه - تعالى - حقيقة وليست بمجاز ، إذ المحبّة في وضع اللّسان عبارة عن ميل النفس إلى الشيء الموافق . . . فأمّا حبّ اللّه العبد فلا يمكن أن يكون بهذا المعنى أصلا ، حتّى أنّ اسم الوجود الّذي هو أعمّ الأشياء اشتراكا لا يشمل الخالق والخلق على وجه واحد ، بل كلّ ما سوى اللّه - تعالى - فوجوده مستفاد من وجود اللّه تعالى فالوجود التابع لا يكون مساويا للوجود المتبوع ، وإنّما الاستواء على إطلاق الاسم . . . وواضع اللّغة إنّما وضع هذه الأسامي أوّلا للخلق ،