محمد باقر الملكي الميانجي

197

مناهج البيان في تفسير القرآن

قوله تعالى : « مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ » . قد يتوهّم في بادئ الأمر أنّ « دُونِ » فيه معنى الأنزليّة والأسفليّة ، فعليه يكون المعنى : اتّخذ المؤمنون الكافرين والمؤمنين أولياء ، وجعلوا المؤمنين أسفل وأنزل من الكافرين ، وجعلوا المؤمنين في مرتبة دون مرتبة الكافرين في الولاية . ولكنّ الأمر ليس كذلك بل المراد أنّ الآية الكريمة خطاب لمن محّض وداده وخلوصه ووفاؤه ومحبّة سريرته وباطنه للكافرين ، ولم يشرك فيها المؤمنين لا قليلا ولا كثيرا ؛ وهم الكفّار الّذين ما جعلوا للّه ولاية على أنفسهم . ولو جعلوا ولاية لغير اللّه مع اللّه لصاروا مشركين . ولو جعلوا ولايتهم لغير اللّه باللّه وبأمره وإذنه ، وجعلوها - أيضا - من شؤون ولايته - تعالى - لكانوا موحّدين بالحقيقة . ولمّا كان التولّي لأعداء اللّه ، والتبرّي من أوليائه ، من المحرّمات الضروريّة العقليّة ، فتكون الآيات الواردة في هذا الباب تذكرة لحكم العقل الضروريّ . فلا يهمّنا البحث عن الإطلاق والتقييد فيها ، إذ موضوعات الأحكام العقليّة صريحة ، ومتعلّقاتها معلومة عند كلّ عاقل . والآيات والأخبار إرشاديّة تتّبع موارد الأمر المرشد إليه ، إنّ ضيّقا فضيّق وإنّ مطلقا فمطلق . فمورد البحث في هذه الآية الكريمة النصيحة للمؤمنين ، وقد كانت لهم أرحام وأقوام من الكفّار في مكّة ، ومع ذلك كان الكفّار أشدّ لجاجا وعنادا من المؤمنين . وقد نبّه اللّه - سبحانه - المؤمنين أنّه لا يجوز التودّد إلى الكافرين وهو لا ينفع المؤمنين ، إذ الكفار لا يقبلونه منهم ، ولو تمكّنوا منهم لوثبوا عليهم وأبادوهم عن آخرهم . قوله تعالى : « وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ » . أي فمن ارتكب هذه الجناية الوقحة فقد انقطعت عرى الولاية بينه وبين اللّه تعالى ، فخرج عن ولاية اللّه مطلقا كما يرشد إلى هذه الكلّيّة قوله تعالى : « فِي شَيْءٍ » فإنّه نكرة في سياق النفي . وقد قال - سبحانه - في سورة المائدة في ذيل نهي المؤمنين عن اتّخاذ اليهود والنصارى أولياء : « وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ » . [ المائدة ( 5 ) / 51 ] . وقال تعالى حكاية عن إبراهيم على نبيّنا وآله