محمد باقر الملكي الميانجي
187
مناهج البيان في تفسير القرآن
العقل والعلم يرشد الإنسان إلى اختيار ما فيه جودة ومنفعة ومصلحة وحسن ، في مقابل ما فيه الرداءة والمضرّة والمفسدة والقبح . وهذا الاختيار والانتخاب والاصطفاء إنّما هو بحسب الواقع والثبوت واللّبّ لا بحسب زعم الأشخاص وطبيعتهم ، فمن الممكن أن يختار إنسان ما هو شرّ له ومضرّة . [ الخير والشرّ ] وكيف كان فالخير أمر وجوديّ ويقابله الشرّ تقابل التضادّ ، فإنّ الشرّ أيضا أمر وجوديّ مثل الخير . ولا يتوهّم أنّ الشرّ أمر عدميّ عبارة عن فقدان الذات أو فقدان كمال الذات مثل المرض الذي هو فقدان العافية والصحّة ، إذ يمكن أن يقال : إنّ العافية عبارة عن فقدان المرض . فلا بدّ من أن يفهم ويعقل أنّ الشرّ مثل الأمراض المهلكة والجراحات والصدمات ، والأحزان والآلام والمحن ، وما أعدّ اللّه - تعالى - للانتقام من أعدائه من النار الكبرى - أعاذنا اللّه منها - وعقاربها وحيّاتها ، وحميمها وصديدها ، وغسّاقها وغسلينها ، وسلاسلها وأغلالها ، وشرابها الّذي يقطع أمعاء سكّانها ، ليست أمورا عدميّة بل كلّ هذه أمور وجوديّة . الظاهر أنّ الباعث للقول بعدميّة الشرّ هو الاعتقاد بأنّ مبدأ الوجود خير محض لا يصدر منه إلّا الخير ، فالشرّ في الوجود غير معقول ، أو أنّ المراد من الشرّ هو الفسوق والقبائح ويستحيل صدور القبائح منه - تعالى - فيكون الصادر منه - تعالى - خيرا فقط . ولكن حيث إنّ أفعاله - تعالى - ليست صادرة منه - سبحانه - على نحو الرشح والفيضان والتولّد والانفصال ، وبعبارة أخرى حيث ليست أفعاله - تعالى - صادرة منه تعالى على طبق العلّيّة والمعلوليّة وليست تطوّرا منه - تعالى - فلا يستحيل صدور الشرّ منه سبحانه إذ كلّ صانع فمن شيء صنع وخالق العالم لا من شيء صنع ، فلا امتناع في خلقه تعالى الشرّ . قال تعالى : « وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ » . [ آل عمران ( 3 ) / 180 ] و « قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً