محمد باقر الملكي الميانجي

185

مناهج البيان في تفسير القرآن

من ذلك - معاذ اللّه - أن يخذل اللّه - تعالى - أولياءه بعد تأييدهم بالوحي وغيره من مواهبه المكنونة ، ويطردهم بعد إكرامهم وإجلالهم . حاشا اللّه - سبحانه - عن أمثال ذلك . فإن قلت : إنّ النزع معلّق بالمشيئة ، فأيّ مانع أن يكون متعلّق النزع عين متعلّق الإيتاء ؛ إلّا أنّ النزع معلّق بمشيّئته - تعالى - فهو - تعالى - ينزع الملك ممّن يشاء مطلقا سواء أكان من أوليائه المصطفين أم من غيرهم من المؤمنين والعلماء والحكّام والفقهاء ، وإن لم يشأ في المصطفين أبدا ، إذ صدق القضيّة الشرطيّة غير متوقّف على الوقوع الخارجيّ ؟ قلت : هذا الكلام وأمثاله من الفرضيّات لا يليق بكلامه - تعالى - وقد جرت سنّته الحكيمة البيّنة لبيان المعارف والحقائق ، لا التكلّم في الفرضيّات الّتي لا واقعيّة لها . فإن قلت : فكم من هذه الفرضيّات في القرآن الكريم مثل قوله تعالى : « لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا » . [ الأنبياء ( 21 ) / 22 ] قلت : كلّا هذا تذكرة إلى أمر واضح غفلت عنه العقول ؛ وهو أنّ التعدّد في الألوهيّة أدلّ دليل على بطلان الصانع العليم الحكيم ، وأنّ التعدّد دليل قطعيّ على المخلوقيّة ، فإتقان الصنع وإبداعه العجيب الّذي تدهش له العقول تذكرة وهداية إلى اللّه سبحانه ، فترتفع الغفلة والنسيان ، ويتعرف - سبحانه - إلى عباده متوحّدا خارجا عن الحدّين حدّ التعطيل والتشبيه . فاتّضح أنّ ما ملّكه اللّه - تعالى - لأوليائه من أنواع الملك مثل الإمامة والرسالة ، والنور والبرهان ، والهدى والخلافة في ملكه وأرضه ، وما يترتّب على هذه المواهب الملكوتيّة غير قابلة للنزع من حيث أعيانها وآثارها وأحكامها الوضعيّة . وأمّا في الأشخاص فلا مانع من الالتزام بنزع ملكهم طبق حكمته ؛ مثل نزع العلم عن بلعم بن باعور ، ومثل نزع عمله عن الفقيه المتعلّم من الكتاب والسنّة إذا شاء طبق الحكمة . فتلخّص أنّ النزع ناظر إلى ملك الجبابرة والفراعنة ، فلا مانع من سلب